الشيخ محمد رشيد رضا
6
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويجب التنبه في هذا المقام لجهل فظيع وقفنا عليه بمذاكرة بعض المشتعلين بعلوم الدين التقليدية مخالف لهذه الآية وأمثالها من كتاب اللّه تعالى وهو زعمهم أن ما عابه الكتاب الحكيم على المشركين والكافرين من أعمال الشرك والكفر كدعاء غير اللّه واتخاذ أولياء من دونه يقربونهم اليه ويشفعون لهم عنده فيما يطلبون من دفع ضر وجلب نفع مما لا ينال بالكسب فهو خاص بهم وبأوليائهم وشفعائهم ، وان وقوع مثله من المسلمين لا ينافي صحة إيمانهم ، والاعتداد باسلامهم ، للفرق الواضح بين من يدعو الأصنام والأوثان ويجعلها واسطة بينه وبين اللّه تعالى تشفع له عنده وتقربه اليه زلفى ، ومن يدعو الأنبياء والأولياء لذلك وهم عباد اللّه المكرمون ، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ! ! جهل هؤلاء ان الشرك والكفر لا يختلف حكمه باختلاف متعلقه فمن يدعو مع اللّه صنما أو كوكبا ، كمن يدعو نبيا أو ملكا ، على أن الأوثان والأصنام كانت تماثيل لذكرى بعض الأولياء والصالحين كالقبور المنسوبة إلى بعضهم نسبة صحيحة أو مزورة ، ولكن ما ذا يقول هؤلاء الجاهلون المدافعون عن الشرك وأهله في أهل الكتاب الذين يدعون ويستغيثون الأنبياء والصالحين ، متوسلين بهم ومستشفعين ، وهم الذين اتبع القبوريون من المسلمين سننهم في شركهم كما أخبر صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك تحذيرا وانذارا بقوله « لتتبعن سنن من قبلكم » الحديث وهو متفق عليه وتقدم ذكره مرارا ، وفصلت هذه المسألة في تفسير الآية ( 31 اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً ) فيراجع تفسيرها « 1 » وبذكر هؤلاء الجاهلون بالقرآن وتاريخ الاسلام فرقا آخر بين شرك المسلمين وشرك من قبلهم ، وهو أن المشركين السابقين اتخذوا أوثانهم وأنبياءهم وأولياءهم آلهة وأربابا ، وان المسلمين الذين يدعون الأولياء ويستغيثونهم في الشدائد طلبا لشفاعتهم لم يتخذوهم آلهة ولا أربابا وانما يتخذونهم وسائل ووسائط ويعتقدون انهم مخلوقون مثلهم
--> ( 1 ) صفحة 363 من الجزء العاشر