الشيخ محمد رشيد رضا
75
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من احتمال الجهد والمشقة في سبيل اللّه عز وجل . يقال رغب في الشيء إذا أحبه وآثره ، ورغب عنه إذا كرهه وأعرض عنه ، وقد جمع هنا بينهما بهذه العبارة المؤثرة الدالة على أن المتخلف يفضل نفسه ويؤثرها على نفس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم التي لا يكمل ايمان أحد حتى يحبه أكثر من حبه لنفسه ، وهذا يصح بعده صلّى اللّه عليه وسلّم في كل راغب عن سنته والتأسي به ، كالملاحدة الذين يقولون لا يجب اتباعه بعد موته ، والمبتدعة والمقلدة الذين يؤثرون بدعهم ومذاهبهم على سنته قال الزمخشري - ونعم ما قال : أمروا أن يصحبوه على البأساء والضراء ، وأن يكابدوا معه الأهوال برغبة ونشاط واغتباط ، وان يلقّوا أنفسهم من الشدائد ما تلقاه نفسه ، علما بأنها أعز نفس على اللّه وأكرمها . فإذا تعرضت مع كرامتها وعزتها للخوض في شدة وهول وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له ولا يكترث لها أصحابها ولا يقيمون لها وزنا ، وتكون أخف شيء عليهم وأهونه ، فضلا عن أن يربؤا بأنفسهم عن متابعتها ومصاحبتها ، ويضنوا بها على ما سمح بنفسه عليه . وهذا نهي بليغ مع تقبيح لامرهم ، وتوبيخ لهم عليه ، وتهييج لمتابعته بأنفة وحمية اه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي ذلك الذي دل عليه النفي من النهي عن التخلف عنه ، ووجوب الاتباع له ، بسبب أن كل ما يصيبهم في جهادهم من أذى وان قل ، ومن إيذاء للعدو وان صغر ، فهو عمل صالح لهم به أكبر الاجر ، فلا يصيبهم ظمأ لقلة الماء - أو نصب لبعد الشقة أو قلة لظهر - أو مجاعة لقلة الزاد - في سبيل إعلاء كلمة اللّه وإعزاز دينه وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وطؤهم إياه لأنه من دارهم ، ويعدون وطأه اعتداء عليهم واستهانة بقوتهم ، فيغيظهم أن تمسه اقدام المؤمنين أو حوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم ، فكيف إذا يسر اللّه فتحه لهم وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أي ولا يبلغون من أي عدو من أعداء اللّه ورسوله شيئا مما أرادوا من جرح أو قتل أو أسر أو هزيمة أو غنيمة إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ أي كتب لهم بكل واحد مما ذكر عمل صالح مرضي للّه تعالى مجزي عليه بالثواب العظيم ، فما أكثر هذه الاعمال الصالحات التي تعم الأمور العارضة كالجوع