الشيخ محمد رشيد رضا

65

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فأما العسرة فهي الشدة والضيق . وكانت عسرة في الزاد إذ كانت عند انتهاء فصل الصيف الذي نفدت فيه مؤنتهم من التمر ، وأول فصل الخريف الذي بدأ فيه ارطاب الموسم الجديد ولا يمكن حمل شيء منه ، فكان يكتفي الواحد منهم أو الاثنان بالتمرة الواحدة من التمر القديم ومنه المدود واليابس ، وقد تزود بعضهم أيضا بالشعير المسوس والإهالة الزنخة - وعسرة في الماء حتى كانوا ينحرون البعير على قلة الرواحل ليعتصروا الفرث الذي في كرشه ويبلوا به ألسنتهم - وعسرة في الظّهر حتى كان العشرة يعتقبون بعيرا واحدا - وعسرة في الزمن إذ كان في حمارة القيظ وشدة الحر ، ولعل التعبير بساعة العسرة للتذكير بذلك الوقت العصيب ، قال جابر بن عبد اللّه ( رض ) في ساعة العسرة : عسرة الظّهر وعسرة الزاد وعسرة الماء ، وقال ابن عباس لعمر ( رضي اللّه عنهم ) حدثنا من شأن ساعة العسرة ، فقال : خرجنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش شديد حتى ظننا ان رقابنا ستقطع حتى أن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر الصديق ( رض ) يا رسول اللّه ان اللّه قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا ، فرفع يديه فلم يرجعها حتى قلت السماء ، فأهطلت ثم سكبت فملؤا ما معهم ، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر ، أخرجه ابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في دلائلهما والضياء في المختارة مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أي اتبعوه من بعد ما قرب أن يزيغ قلوب فريق منهم عن صراط الاسلام ، بعصيان الرسول حين أمر بالنفير العام ، إذ نثاقل بعضهم عن النفر ووبخهم اللّه تعالى في الآيات 38 و 39 و 40 « * » أو المعنى انه تاب على المؤمنين كافة من بعد ما كاد يزيغ بعضهم عن الايمان ، والمراد بهم الذين تخلفوا بالفعل منهم لغير علة النفاق ، وهم الذين خلطوا عملا

--> ( * ) يراجع تفسيرها في 423 - 434 ج 10 « تفسير القرآن الحكيم » « 9 » « الجزء الحادي عشر »