الشيخ محمد رشيد رضا

62

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأقول الآية متأخرة النزول عن غزوة بدر ولكنها شاملة لحكمها فقد تقدم أن أخذ الفداء من الاسرى هو في معنى الاستغفار للمشركين هنا من حيث إنه خلاف ما يقتضيه شأن النبوة والايمان لقوله تعالى ( ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) فهذا نفي للشأن كنفي الاستغفار هنا . ثم قال تعالى هنالك بعد عتابهم الشديد ( لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) فابن عباس يفسر هذا الكتاب بحكمه تعالى في هذه الآية بأنه لا يحكم بضلال قوم في شيء فيعاقبهم عليه إلا بعد أن يبين لهم ما يتقون بيانا واضحا تاما لا مجال معه للاجتهاد الذي يكون عذرا في المخالفة ، سواء كانت هذه الآية نزلت وقتئذ أم لا - فهذا حكم اللّه تعالى . أخرج ابن المنذر ان عبد اللّه بن مسعود ( رض ) كان يخطب أصحابه كل عشية خميس ثم يقول : فمن استطاع منكم أن يغدو عالما أو متعلما فليفعل ولا يغدو لسوى ذلك ، فان العالم والمتعلم شريكان في الخير . أيها الناس : إني واللّه ما أخاف عليكم أن تؤخذوا بما لم يبين لكم وقد قال اللّه تعالى ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ) فقد بين لكم ما تتقون . ويؤخذ من هذا كله قاعدة أن أحكام الاسلام العامة التي عليها مدار الجزاء في الآخرة ، ويكلف العمل به كل من بلغه إن كان من الاحكام الشخصية وتؤخذ بها الأمة كلها وينفذه أئمتها وأمراؤها فيها هو ما كان قطعي الدلالة ببيان اللّه تعالى ورسوله لا حجة معه لأحد في تركه . وان ما عداها منوط بالاجتهاد ، فمن ظهر له من نص ظني الدلالة حكم واعتقد أنه مراد اللّه من الآية وجب عليه اتباعه ، ومن لا فلا . كما وقع عند نزول آية البقرة في الخمر والميسر إذ فهم بعض الصحابة من قوله تعالى ( وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما ) تحريمهما فترك ، وبقي من لم يفهم هذا يشرب الخمر حتى بين اللّه تحريمها مع الميسر بيانا قطعيا بآيات المائدة . وأصل مذهب الحنفية أن الفرائض والتحريم الديني لا يثبتان إلا بالنص القطعي أو بنص القرآن القطعي بل هذا ما كان عليه علماء السلف . وتقدم تحقيق المسألة ( في ص 371 ج 10 تفسير ) والآية تدل على بطلان قول بعض المبتدعة بالمؤاخذة على ما يجب بحكم