الشيخ محمد رشيد رضا
59
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
مسعود وفيه : لما هبط من ثنية عسفان . وفيه نزول الآية في ذلك - فهذه طرق يعضد بعضها بعضا وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب . ويؤيده أيضا انه صلّى اللّه عليه وسلّم قال يوم أحد بعد ان شج وجهه « رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون » لكن يحتمل في هذا أن يكون الاستغفار خاصا بالاحياء وليس البحث فيه - ويحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وان كان سببها تقدم ويكون لنزولها سببان متقدم وهو امر أبي طالب ومتأخر وهو امر آمنة ، ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره صلّى اللّه عليه وسلّم للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك ، فان ذلك يقتضي تأخير النزول وان تقدم السبب ، ويشير إلى ذلك أيضا قوله في حديث الباب « وأنزل اللّه في أبي طالب ( إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ) » لأنه يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره ، والثانية نزلت فيه وحده ، ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد من طريق أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي قال سمعت رجلا يستغفر لوالديه وهما مشركان فذكرت ذلك للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه ( ما كانَ لِلنَّبِيِّ ) الآية وروى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال قال المؤمنون ألا نستغفر لآبائنا كما استغفر إبراهيم لأبيه ؟ فنزلت . ومن طريق قتادة قال ذكرنا له ان رجالا فذكر نحوه . وفي الحديث ان من لم يعمل خيرا قط إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله الا اللّه حكم باسلامه ، وأجريت عليه احكام المسلمين ، فان قارن نطق لسانه عقد قلبه نفعه ذلك عند اللّه تعالى بشرط أن لا يكون وصل إلى حد انقطاع الامل من الحياة وعجز عن فهم الخطاب ، ورد الجواب ، وهو وقت المعاينة ، واليه الإشارة بقوله تعالى ( وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ) واللّه أعلم اه كلام الحافظ وقد تعددت الروايات في استغفار بعض الصحابة لآبائهم وأولي قرباهم من المشركين تأسيا به صلّى اللّه عليه وسلّم حين استغفر لعمه حتى نزل النهي فكفوا * * * وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ مما يدخل في عموم تأسيكم به على إطلاقه ، فإنه ما كان وما وقع لسبب ولا علة إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ في حياته