الشيخ محمد رشيد رضا

504

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وكونهم يؤمنون به عند وقوعه فلا ينفعهم إيمانهم يومئذ - وسؤالهم أحق هو ؟ وجوابهم بالقسم إنه لحق ، لأن وعد اللّه كله حق ، وفي تفسيرنا له بيان قلة الكذب في العرب ، واحترام القسم باللّه تعالى ، واشتهار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالصدق والأمانة فيهم من صغره ( 8 ) بعد أن أيد اللّه دعوته صلّى اللّه عليه وسلّم بقصتي نوح وموسى بالايجاز مفصلة ، وذكر من بينهما بالإشارة المجملة ، أخبره ان الذين يقرءون الكتاب من قبله عندهم علم من ذلك ، فلو انه كان في شك منه وسألهم لأجابوا إنه الحق من ربه ، وهذا تأكيد لكونه لا موضع للامتراء به ( 9 ) كان صلّى اللّه عليه وسلّم يحزنه تكذيب قومه له وكفرهم بما جاء به فنهاه اللّه عن ذلك في الآية 65 وكان يتمنى إيمانهم كلهم فجاءه في الآيات 96 - 101 بيان سنة اللّه في اختلاف استعداد الناس للايمان والكفر ، وانه لو شاء لجعلهم كلهم مؤمنين ، ولكانوا غير هذا النوع من خلق اللّه ، ولكنه لم يشاء واذن لا يقدر الرسول ولا غيره على إكراههم على الايمان ، وأن الآيات لا تنفع إلا المستعدين للايمان والصلاح ، وان النجاة لرسل اللّه ومن آمن بهم بمقتضى سنته تعالى في خلقه ( 10 ) ختم السورة من الآية 104 - 109 بتجديد الدعوة إلى تجريد التوحيد والعبودية المحض ، وكون الحق قد تبين فمن اهتدى فلنفسه ، ومن ضل فعليها ، وإنما الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مبلغ لا وكيل للّه متصرف في أمر عباده ، فعليه أن ينتظر حكمه وهو خير الحاكمين . ( 11 ) إعلامه تعالى هذه الأمة في الآية 14 بأنه جعلهم خلائف في الأرض كلها بعد إهلاك أكثر القرون الأولى من أقوام الأنبياء المعاندين لرسلهم ، وتحريف آخرين لأديانهم ونسخه تعالى لما بقي منها ببعثة خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وسلّم وانه يختبرهم بهذه الخلافة فيجزيهم بما يعملون فيها ، وأخرنا هذا لأنه ثمرة إجابة الدعوة في الدنيا كما وعدهم ، وأنجز وعدهم لهم بشرطه في الآية ( 24 : 54 ) من سورة النور