الشيخ محمد رشيد رضا
497
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والمراد من كل هذه الآيات سد ذرائع الشرك وإعتاق البشر من رقه ، باعتمادهم في أمورهم على ما وهبهم من القوى ، وطلب كل شيء من أسبابه التي سخرها اللّه لهم ، والتوجه اليه وحده في تسخير ما يعجزون عنه ، ومع هذا كله نرى من سرت إليهم عدوى الوثنية من أهلها يتوجهون إلى غيره تعالى من الاحياء والأموات المعتقدين فيما لا يقدرون عليه بكسبهم وفيما هو من كسبهم أيضا . ولكنهم يجهلون قدرتهم أو قدرة أمثالهم كالأطباء عليه ، ويظنون أن معتقديهم المتصرفين في الكون بزعمهم أقرب منالا ، كما بسطناه في تفسير كل هذه الآيات وأمثالها مكررا اتباعا لكتابه تعالى وأما صفة العزة فليس في هذه السورة ذكر لها إلا قوله تعالى ( 65 وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) ومعناها المنعة والقوة التي شأنها أن يغلب صاحبها ولا يغلب على أمره ، وينال من خصمه ولا ينال خصمه منه ، وكان المشركون يعتزون بكثرتهم وقوتهم وثروتهم ، تجاه قلة المؤمنين وضعفهم وفقرهم ، فيطعنون في الرسول وفي الاسلام وأهله فيحزنه صلّى اللّه عليه وسلّم ما يقولون ، فنهاه عز وجل عن هذا الحزن وعلله بأن العزة الحق هي للّه وحده ، فهو يعز من يشاء ويذل من يشاء ، وقد كتبها لرسوله وللمؤمنين كما بيناه في تفسير الآية ، وفي هذه الآية ذكر السمع والعلم ، لتذكيره صلّى اللّه عليه وسلّم ومن اتبعه من المؤمنين بسمعه تعالى لأقوالهم ، كاحاطته علما بأعمالهم ، فهو قدير على اعزازه واذلاهم وأما صفة الرحمة فقد جاءت مقترنة بالمغفرة في فاصلة الآية 107 الناطقة بانفراده تعالى بكشف الضر وإرادة الخير كما تقدم وذكرت الرحمة بآثارها ومتعلقاتها في الرزق من الآية 21 - وفي خصائص القرآن التشريعية من الآية 57 وفيما يعمهما من الآية 58 وفي التنجية من الظلم وحكم الكافرين في الآية 86 فنسأله تعالى أن يعمنا بأنواع رحمته كلها ويجعلنا من الشاكرين * * * ( الفصل الثالث في تقديسه تعالى وتنزيهه وغناه عن كل ما سواه ) نزه اللّه تعالى نفسه في هذه السورة في مواضع ( أولها ) أن يكون عنده شفعاء ينفعون من يشفعون لهم أو يكشفون الضر عنهم فيكون لتأثيرهم شرك في أفعاله تعالى . ( تفسير القرآن الحكيم ) ( 63 ) ( الجزء الحادي عشر )