الشيخ محمد رشيد رضا
490
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
106 - * * * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ أي ولا تدع غيره تعالى ( دعاء عبادة وهو ما فيه معنى القربة والجري على غير المعتاد في طلب الناس بعضهم من بعض ) لا على سبيل الاستقلال ولا على سبيل الاشتراك بوساطة الشفعاء - ما لا ينفعك إن دعوته لا بنفسه ولا بوساطته ولا يضرك إن تركت دعاءه ولا إن دعوت غيره فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ اي فان فعلت هذا بأن دعوت غيره فإنك أيها الفاعل في هذه الحال من طغامة الظالمين لأنفسهم الظلم لأكبر وهو الشرك الذي فسر به النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قوله تعالى ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) فإنه لما كان دعاء اللّه وحده هو أعظم العبادة ومخها - كما ورد في الحديث - كان دعاء غيره هو معظم الشرك ومخه ، كما كررنا التصريح به بتكرار تفسير الآيات الناهية عنه ، ومنها في هذه السورة قوله تعالى ( 18 وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ) وقوله ( 49 قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ) وقوله قبلهما ( 12 وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ) وقوله في أهل الفلك ( السَّفِينَةِ ) * المشركين عند إحاطة الخطر بهم ( 22 دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) والآيات في هذا المعنى كثيرة متفرقة في السور ، كررت لأجل انتزاع هذا الشرك الأكبر من قلوب الجمهور الأكبر . وقد انتزع من قلوب الذين أخذوا دينهم من القرآن ، وكان جل عبادتهم تكرار تلاوته بالغدو والآصال ، والليل والنهار ، ثم عاد بقضه وقضيضه إلى الذين هجروا تدبر القرآن وهم يدعون الاسلام ، وأكثرهم يتلقون عقائدهم من الآباء والأمهات والمعاشرين ، وأكثر هؤلاء من الخرافيين الأميين الجاهلين ، وأكثر القارئين منهم على قلتهم يأخذونها من كتب مقلدة متأخري المتكلمين الجدلية والمتصوفة الخرافية ، ولا يكاد مسجد من مساجدهم يخلو من قبر مشرف مشيد ، توقد عليه السرج والمصابيح وقد لعن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فاعليها ، ويتوجه اليه الرجال والنساء ، في كل صباح ومساء ، يدعون من دون اللّه من يعتقدون أنهم احياء يقيمون فيها ، ويتقربون إليهم بالهدايا والنذور من الأميين ، وبعرائض