الشيخ محمد رشيد رضا
47
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تضطرب فيه النفس ، ويتردد الوهم ويسوء الظن ، فيكون صاحبه منه في شك وحيرة إن لم يكن مثاره الشك . قال قوم صالح عليه السّلام له ، منكرين دعوته إياهم إلى عبادة اللّه وحده ( 11 : 62 وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ) ولهذا الاستعمال أمثال في التنزيل ، وهو صريح في أن الشك مثار لا ريب وموقع فيه لا انه عينه ، وقد يفسر به باعتبار لزومه له وايقاعه فيه . قال الشاعر : وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت * وقد رابني منها الغداة سفورها والظاهر أن ارتيابهم فيه كان منذ بنوه إلى أن أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بهدمه فهدم ، وذلك انهم لسوء نيتهم في بنائه كانوا يخافون ان يطلع اللّه رسوله على مقاصدهم السوءى فيه ، وكان ذلك شان سائر اخوانهم كما تقدم في قوله تعالى ( 64 يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ ) وذكرنا في تفسيرها قوله تعالى ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) ( ص 525 - 528 ج 10 ) وأجدر بهم أن يكونوا بعد هدمه أشد ارتيابا ، وأكثر اضطرابا ، بما يحذرون من عقابهم في الدنيا كما أنذرتهم هذه السورة مرارا ، وأن يستمر ذلك ملازما لهم إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ قرأ ابن عامر وحفص عن نافع وحمزة ( تقطع ) بفتح التاء وتشديد الطاء من التقطع ، وقرأ الباقون بضم التاء من التقطيع ، أي إلا أن تقطع الريبة قلوبهم أفلاذا ، فتتقطع بها وتكون جذاذا ، وقرأ يعقوب ( إلى ) بدل ( إلا ) وفسر ذلك بالموت والهلاك ، وبالحسرة والندم المقتضي للتوبة ، وقال الزمخشري وتبعه معتادو الاخذ عنه : لا يزال هدمه سب شك ونفاق زائد على شكهم ونفاقهم ، لا يزول وسمه عن قلوبهم ، ولا يضمحل أثره ( إلا أن تقطع قلوبهم ) قطعا ، وتفرّق أجزاء ، فحينئذ يسلون عنه ، واما ما دامت سالمة مجتمعة ، فالريبة باقية فيها متمكنة ، فيجوز أن يكون ذكر القطع تصويرا لحال زوال الريبة عنهم ، ويجوز أن يراد حقيقة تقطيعها وما هو كائن منه بقتلهم ، أو في القبور أو في النار . وقيل معناه الا ان يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما وأسفا على تفريطهم اه وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ فحكم في أمرهم وبين من حالهم ما اقتضته الحكمة والعلم المحيط بكل شيء .