الشيخ محمد رشيد رضا
485
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هذا عطف على محذوف يدل عليه المذكور دلالة الضد على الضد أو النقيض على النقيض ، أي وإذ كان كل شيء باذنه وتيسيره ومشيئته التي تجري بقدره وسنته ، فهو يجعل الاذن وتيسير الايمان للذين يعقلون آياته في كتابه وفي خلقه ، ويوازنون بين الأمور فيختارون خير الاعمال على شرها ، ويرجحون نفعها على ضرها ، باذنه وتيسيره ، ويجعل الرجس أي الخذلان والخزي المرجح للكفر والفجور ، على الذين لا يعقلون ولا يتدبرون ، فهم لأفن رأيهم ، واتباع أهوائهم ، يختارون الكفر على الايمان والفجور على التقوى . وتقدم في تفسير آيات الخمر والميسر من سورة المائدة وفي الكلام على المنافقين من أواخر سورة التوبة ، ان الرجس لفظ يعبر به عن أقبح الخبث المعنوي الذي هو مبعث الشر والاثم * * * ( 101 ) قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ ( 102 ) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ ، قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 103 ) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا ، كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ * * * هذه الآيات الثلاث إرشاد للعقلاء الذين يفهمون مما قبلها أن سنة اللّه تعالى في نوع الانسان ، ان خلقه مستعدا للايمان والكفر ، والخير والشر ، وله الاختيار لنفسه ، وان الرسول الحريص على إيمان الناس لا يقدر على جعلهم مؤمنين ، لان اللّه القادر على ذلك لم يشأ أن يجعلهم أمة واحدة على الايمان وحده ولا على الكفر وحده ، وإنما جعل مدار سعادتهم على حسن استعمال عقولهم باختيارهم في التمييز بين الكفر والايمان ، وما الرسول إلا بشير