الشيخ محمد رشيد رضا
484
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ويجعله خليفة في الأرض ، كما تقدم بيانه في قصة آدم من سورة البقرة وفي آيات أخرى ، هكذا خلق اللّه الانسان منهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به كما تقدم أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ اي ان هذا ليس في استطاعتك أيها الرسول ولا من وظائف الرسالة التي بعثت بها أنت وسائر الرسل ( إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ * وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ) وهذه أول آية نزلت في أن الدين لا يكون بالاكراه ، أي لا يمكن للبشر ولا يستطاع ، ثم نزل عند التنفيذ ( 2 : 256 لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) أي لا يجوز ولا يصح به ، وذكرنا في تفسيرها سبب نزولها وهو عزم بعض المسلمين على منع أولادهم كانوا تهودوا من الجلاء مع بني النضير من الحجاز ، فأمرهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بأن يخيروهم ، وأجمع علماء المسلمين على أن ايمان المكره باطل لا يصح . لكن نصارى الإفرنج ومقلديهم من أهل الشرق لا يستحون من افتراء الكذب على الاسلام والمسلمين ، ومنه رميهم بأنهم كانوا يكرهون الناس على الاسلام ويخيرونهم بينه وبين السيف يقط رقابهم ، على حد المثل « رمتني بدائها وانسلت » 100 - * * * وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي وما كان لنفس ولا من شأنها فيما أشير اليه من استقلالها في أفعالها ، ولا مما أعطاها اللّه من الاختيار فيما هداها من النجدين ، وما ألهمها من فجورها وتقواها الفطريين ، أن تؤمن إلا بإرادة اللّه ومقتضى سنته في استطاعة الترجيح بين المتعارضين ، فهي مختارة في دائرة الأسباب والمسببات ، ولكنها غير مستقلة في اختيارها أتم الاستقلال ، بل مقيدة بنظام السنن والاقدار ، فالمنفي هو استطاعة الخروج عن هذا النظام العام ، لا الاستطاعة الخاصة الموافقة له ، ومثله قوله تعالى ( 3 : 145 وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ) أي إلا بمشيئته الموافقة لحكمته وسنته في أسباب الموت ، فكم من انسان يعرض نفسه للموت شهيدا أو منتحرا بما يتراءى له من أسبابه ، ثم لا يموت بها لنقصها أو لمعارض مناف لها في نظام القدر الذي لا يحيط به علما إلا اللّه تعالى ، ومعنى الاذن في اللغة الاعلام بالرخصة في الامراي تسهيله وعدم المانع منه