الشيخ محمد رشيد رضا

483

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كما أنذرهم فتابوا وآمنوا فكشفناه عنهم وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ أي ومتعناهم بمنافعها إلى زمن معلوم هو عمرهم الطبيعي الذي يعيشه كل منهم بحسب سنته تعالى في استعداد بنيته ومعيشته . وقد فصلنا الكلام في الاجل الذي يسمى الطبيعي وغيره في تفسير ( 6 : 2 ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ) من سورة الأنعام « 1 » ولا محل للبحث عن تعذيبهم في الآخرة كما فعل بعض المفسرين فان شهادة اللّه تعالى لهم بالايمان النافع ظاهرة في قبوله منهم صريحة ، في أنه لا يعذبهم في الآخرة على سابق كفرهم ، وانما يجزون بغيره من أعمالهم بعد الايمان هذا الذي فسرنا به الآية هو المتبادر من عبارتها والموافق للسياق ولسنة اللّه تعالى في أقوام الأنبياء عليهم السّلام . وفيه تعريض بأهل مكة وإنذار لهم وحض على أن يكونوا كقوم يونس الذين استحقوا عذاب الخزي بعنادهم حتى إذا أنذرهم نبيهم قرب وقوعه وخرج من بينهم اعتبروا وآمنوا قبل اليأس ، وحلول البأس ، وسيأتي ان شاء اللّه تعالى ما ثبت من خبره عليه السّلام في تفسير سورتي الأنبياء والصافات ، وهو موافق في جملته لما عند أهل الكتاب 99 * * * وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أي ولو شاء ربك - أيها الرسول الحريص على إيمان الناس - أن يؤمن أهل الأرض كلهم جميعا لا يشذ أحد منهم لآمنوا ، بأن يلجئهم إلى الايمان إلجاء ، ويوجره في قلوبهم إيجارا ، ولو شاء لخلقهم مؤمنين طائعين كالملائكة ، لا استعداد في فطرتهم لغير الايمان ، وفي معنى هذا قوله تعالى وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا ) وقوله ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ) والمعنى الجامع في هذه الآيات انه لو شاء اللّه ألا يخلق هذا النوع المسمى بالانسان المستعد بفطرته للايمان والكفر ، والخير والشر ، الذي يرجح أحد الأمور الممكنة المستطاعة له على ما يقابله ويخالفه بإرادته واختياره ، لفعل ذلك ، ولما وجد الانسان في الأرض ، ولكن اقتضت حكمته أن يخلق هذا النوع العجيب

--> ( 1 ) ص 296 ج 7 تفسير