الشيخ محمد رشيد رضا
480
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
شك مما أنزلنا إليك في هذه الشواهد من قصة موسى ونوح وغيرهما على سبيل الفرض والتقدير ، الذي ذكر على عادة العرب في تقدير الشك في الشيء ليبني عليه ما ينفي احتمال وقوعه أو ثبوته أمرا أو نهيا أو خبرا ، كقول أحدهم لابنه : إن كنت ابني فكن شجاعا أو فلا تكن بخيلا ، أو فإنك ستكون أو ستفعل كذا - بل يفرضون سؤال الديار والاطلال أيضا ومنه قول المسيح في جواب سؤال اللّه تعالى إياه ( 5 : 116 أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ) وهذه الجملة الشرطية محل الشاهد ، فهو عليه السّلام يعلم أنه لم يقل ذلك ، ولكنه يفرضه ليستدل عليه بأنه لو قاله لعلمه اللّه منه وبعض العلماء يجري على هذا الأسلوب فيشكك تلميذه أو مناظره فيما لا شك فيه عندهما ليبني عليه حكما آخر . ويجب في مثل هذا أن يكون فعل الشرط بان التي وضعت للدلالة على عدم وقوعه أو تنزيله منزلة مالا يقع ، دون إذا الدالة على أن الأصل في فعل شرطها الوقوع فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ هذا جواب الشرط المقدر قال ابن عباس لم يشك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يسأل ، وروى مثله عن سعيد بن جبير والحسن البصري قالاه فهما لغويا ، وروي عن قتادة خبرا قال : ذكر لنا ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « لا أشك ولا أسأل » ولم يسم الصحابي الذي ذكره فهو مرسل ، والمراد بالكتاب جنسه ، أي فأسأل الذين يقرءون كتب الأنبياء كاليهود والنصارى فإنهم يعلمون أن ما أنزلناه إليك من الشواهد حق لا يستطيعون إنكاره ، وقال بعض المفسرين ان المراد سؤال من آمن منهم كعبد اللّه بن سلام من علماء اليهود وتميم الداري من علماء النصارى ولا حاجة اليه ، والآية بل السورة نزلت في مكة ولم يكن أحد من أهل الكتاب آمن . ومما يؤكد كون السؤال مفروضا فرضا قوله لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فهذه الشهادة المؤكدة بالقسم من ربه ، تجتث احتمال إرادة الشك والسؤال بالفعل من أصله ، ويزيدها تأكيدا قوله تعالى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ أي من فريق