الشيخ محمد رشيد رضا
478
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * ( 93 ) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ هذه الآية خاتمة هذه القصة ومنتهى العبرة فيها لمكذبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والجاحدين من قومه المغرورين بقوتهم وكثرتهم وثروتهم ، في موسى والجاحدين لآياته من فرعون وقومه ، وقد كانوا أكثر منهم عددا ، وأشد قوة ، وأعظم زينة وأوفر ثروة ، وسنة اللّه في موسى ومن قبله واحدة ، وقصته كقصة نوح في العاقبة ، وأما نصر اللّه لمحمد نبي الرحمة وانجاز وعده له ، قد جرى على وجه أتم وأكمل في غايته ، وان لم يكن غريبا في صورته ، وهو ان اللّه تعالى أهلك أكثر زعماء أعدائه المشركين ، وأخضع له الآخرين ، وجعل العاقبة لأتباعه المؤمنين ، وأعطاهم أعظم ملك في العالمين ، ومنه ما كان أعطى موسى من قبل وهو فلسطين . قال 93 - وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ قلنا آنفا ان المبوأ مكان الإقامة الأمين . وأضيف إلى الصدق لدلالته على صدق وعد اللّه تعالى لهم به وهو منزلهم من بلاد الشام الجنوبية المعروفة بفلسطين وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فيه ، وهي التي أشير إليها في وصف أرضها من كتبهم بأنها تفيض لبنا وعسلا ، وما فيها من الغلات والثمرات والانعام ، وكذا صيد البر والبحر ، وقد بينا من قبل ما كان من وعد اللّه لهم بهذه الأرض المباركة على لسان إبراهيم وإسحاق ويعقوب « 1 » ومن أيلولة هذه الأرض من بعدهم لذرية إبراهيم من العرب بعد حرمان اليهود منه تصديقا لوعيد أنبيائهم لهم على كفرهم بنعم اللّه تعالى أولا ثم بكفرهم بعيسى ، ثم بمحمد رسول اللّه النبي الأمي الذي وعدهم به على لسانه ولسان من قبله كما تقدم تفصيله في تفسير سورة الأعراف « 2 » وأشير إليه هنا بقوله فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ
--> ( 1 ) راجع ص 98 - 113 ج 9 تفسير ( 2 ) راجع ص 224 ج 9 تفسير