الشيخ محمد رشيد رضا
477
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فمن بعقوته كمن بنجوته * والمستكن كمن يمشي بقرواح « 1 » ثم ذكر رواته عمن قال بهذا القول . وقال أهل اللغة : سمي المكان المرتفع نجوة ونجاة - وزاد بعضهم : منجى - لأن من عليه ينجو من السيل ، وانما دفعه ودفعهم إلى تفسير الآية بهذا الوجه من اللغة أن إنجاء الانسان من الغرق انما يكون بخروجه حيا ببدنه ونفسه كما تقدم قريبا في إنجاء نوح ومن معه في الفلك ، وكل استعماله في القرآن بمعنى النجاة من العذاب كانجاء بني إسرائيل من فرعون وآله ، وقال بعضهم ان التعبير بالتنجية تهكم به ، وان الحكمة بذكر البدن انه يخرج جسده سالما ليعرف ، وقيل إن المراد بالبدن الدرع فهو من أسمائها في اللغة ، وانما محل العبرة أن يلفظه البحر ببدنه ليعرف فيعتبر بنو إسرائيل الذين قيل إنهم شكوا في غرقه ويعتبر القبط الذين عبدوه ، ولذلك قيل إن درعه كانت معروفة وانها من الذهب أو كان له فوق درع الزرد درع أخرى من الذهب ، ولكن الدروع تقتضي رسوب الغريق في البحر الا ان يجرفه الموج . وأما العبرة لمن بعده فهي أعم : هي ما سيقت القصة لأجله من كونها شاهدا كالتي قبلها على صدق وعد اللّه لرسله ووعيده لأعدائهم كطغاة مكة التي أنزلت هذه الآيات بل هذه السورة كلها لإقامة حجج اللّه عليهم في هذه المسألة قبل غيرهم ، لأنهم أول من بلغته الدعوة ، وقوله تعالى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ تعريض بهم وأكده هذا التأكيد لما تقتضيه شدة الغفلة من قوة التنبيه أي إنهم لشديد والغفلة عنها على شدة ظهورها ، فلا يتفكرون في أسبابها ونتائجها وحكم اللّه فيها ، ولا يعتبرون بها ، وانما يمرون عليها معرضين كما يمرون على مسارح الانعام ، وفيه ذم للغفلة وعدم التفكر في أسباب الحوادث وعواقبها واستبانة سنن اللّه فيها ، للاعتبار والاتعاظ بها . ومن العجيب ان يكون أهل القرآن منهم ، كلا إنه حجة على الغافلين بريء منهم
--> ( 1 ) البيت من قصيدة في وصف المطر نسبت لغير أوس هذا . والعقوة الساحة وما حول الدار ، والقرواح بالكسر المكان البارز للشمس والذي لا يمسك الماء