الشيخ محمد رشيد رضا

476

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فكيف يقبل وقد صار اضطرارا لا معنى لقبوله ، لأنه انفعال لا فعل لصاحبه ، وجملة القول إن إسلامه كان كما قال الشاعر أنت وحياض الموت بيني وبينها * وجادت يوصل حين لا ينفع الوصل وقد تقدم مثل هذا الاستفهام الانكاري في هذه السورة وهو قوله تعالى في المكذبين بوعد اللّه تعالى ووعيده بما كان يحملهم على استعجال عذابه ( 51 أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ ؟ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ ) وسيأتي بعد بضع آيات منها ان الايمان لا ينفع عند وقوع عذاب الاستئصال الذي هو نهاية أجل القوم ، كما أنه لا ينفع عند موت الشخص ، كما تقدم في قوله تعالى ( 4 : 18 وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ، وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ) ومن البديهي ان التوبة من الكفر والمعصية انما تنفع بالرجوع إلى الطاعة . على أن اليائس من الشيء بالفعل ، لا يعقل أن يكون صادقا في ادعائه إياه أو طلبه له بالقول . ولعل فرعون أراد بقوله حينئذ انه من جماعة المسلمين انه موطن نفسه على أن يكون منهم إن نجاه اللّه تعالى ، وأنه كان يرجو بهذا أن ينجيه اللّه تعالى كما نجاه وقومه من كل نازلة من عذاب اللّه حلت به وبقومه إذ كان يقول لموسى ( ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ ) ولكن تلك النوازل انما كانت لأجل إرسال بني إسرائيل مع موسى فهي غايتها ولم تكن عقابا على الاصرار على كفر الجحود والعناد الذي هو شر أنواع الكفر وأدلها على خبث طوية صاحبه ، كهذا العقاب الأخير بعد نجاة بني إسرائيل منه رغم أنفه 92 - * * * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً قال أبو جعفر ابن جرير الطبري يقول تعالى ذكره لفرعون فاليوم نجعلك على نجوة من الأرض ببدنك ينظر إليك من كذب بهلاكك ( لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) يقول لمن بعدك من الناس عبرة يعتبرون بك فينزجرون عن معصية اللّه والكفر به ، والسعي في أرضه بالفساد . والنجوة الموضع المرتفع من الأرض . ومنه قول أوس بن حجر :