الشيخ محمد رشيد رضا

472

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * ( 88 ) وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ ، رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ ، فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 89 ) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * * * هاتان الآيتان هما الرابطتان بين سيرة موسى وهارون مع فرعون وقومه في مصر ، وبين ما انتهت إليه من نصر اللّه له عليه وإنجاء بني إسرائيل من ظلمه ، وإهلاكه عقابا له كما وقع لنوح مع قومه 88 وَقالَ مُوسى بعد أن أعد بني إسرائيل للخروج من مصر إعدادا دينيا دنيويا ، متوجها إلى اللّه تعالى في إتمام الامر ، بعد قيامه بما يقدر عليه هو وبنو إسرائيل من الأسباب رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي إنك أعطيت فرعون وأشراف قومه وكبراءهم دون دهمائهم - من الصناع والزراع والجند والخدم - زينة من الحلي والحلل والآنية والماعون والأثاث والرياش ، وأموالا كثيرة الأنواع والمقادير ، يتمتعون بها وينفقون منها في حظوظ الدنيا من العظمة الباطلة والشهوات البدنية بدون حساب ، رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ أي لتكون عاقبة هذا العطاء إضلال عبادك عن سبيلك الموصلة إلى مرضاتك باتباع الحق والعدل والعمل الصالح ، ذلك بأن الزينة سبب الكبر والخيلاء والطغيان على الناس ، وكثرة الأموال تمكنهم من ذلك وتخضع رقاب الناس لهم ، كما قال تعالى ( إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ) وذلك دأب فراعنة مصر به تشهد آثارهم وركازهم التي لا تزال تستخرج