الشيخ محمد رشيد رضا

471

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ؟ ) وقال ( 25 : 20 وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَ تَصْبِرُونَ ؟ ) فكيف إذا خذل أهل الحق حقهم ، وكفروا نعمة ربهم ؟ 86 * * * وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي نجنا من سلطانهم وحكمهم لان حكم الكافر لا يطاق . ومثل هذا الدعاء في جملته قوله تعالى في سياق التأسي بإبراهيم والذين آمنوا معه في أقوالهم لقومهم وأفعالهم وتوكلهم ( 60 : 4 رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ( 5 ) رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) وما أجدر المسلمين اليوم بهذه الأسوة ، وتجديد الإنابة ، وتكرار هذا الدعاء خاشعين معتبرين مستعبرين ، فقد أصبحوا فتنة للقوم الكافرين 87 * * * وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً يقال تبوأ الدارا : اتخذها مبوّءا أو مباءة أي مسكنا ثابتا وملجأ يبوء اليه أي يرجع كلما فارقه لحاجة ، وبوأها غيره . وقوله ( أَنْ تَبَوَّءا ) تفسير لا وحينا لأنه بمعنى قلنا لهما : اتخذ لقومكما بيوتا في مصر تكون مساكن وملاجيء يبوءون إليها ويعتصمون بها . وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي متقابلة في وجهة واحدة فالقبلة في اللغة ما يقابل الانسان ويكون تلقاء وجهه ومنه قبلة الصلاة وهي أخص ويصح الجمع هنا بين المعنيين العام والخاص بقرينة قوله وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي فيها متوجهين إلى وجهة واحدة لان الاتحاد في الاتجاه يساعد على اتحاد القلوب كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في حكمة تسوية الصفوف في الصلاة « ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم » وحكمة هذا ان يكونوا مستعدين لتبليغهما إياهم ما يهمهم ويعنبهم مما بعثا لأجله وهو انجاؤهم من عذاب فرعون باخراجهم من بلاده واختلف المفسرون في الجهة التي أمروا باستقبالها والتوجه إليها في الصلاة وهي لا تعلم إلا بنص ولا نص وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بحفظ اللّه إياهم من فتنة فرعون وملئه الظالمين لهم وتنجيتهم من ظلمهم . خص اللّه موسى بهذا الامر ( التبشير ) لأنه من أمر الوحي والتبليغ المنوط به ، وأشرك هارون معه في الامر الذي قبله لأنه تدبير عملي هو وزيره المساعد له على تنفيذه