الشيخ محمد رشيد رضا

470

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

( 7 : 127 وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ؟ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ) وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ أي المتجاوزين حدود الرحمة والعدل ، إلى الظلم والقتل ، والعدوان والبغي ، وغمط الحق واحتقار الخلق ( وهو معنى الكبرياء ) 84 - * * * وَقالَ مُوسى لمن آمن من قومه وقد رأى خوفهم من الفتنة والاضطهاد مرشدا ومثبتا لهم يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ أي إن كنتم آمنتم باللّه حق الايمان فعليه توكلوا ، وبوعده فثقوا ، ان كنتم في ايمانكم مستسلمين مذعنين بالفعل ، وانما يكون الايمان يقينا إذا صدقه العمل وهو الاسلام ، وهذا لا يدل على ايمان جميع قومه كما قيل ، فالايمان باللّه غير الايمان لموسى المتضمن لمعنى الاسلام والاتباع المشار اليه بقوله ( إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) وهم قد طلبوا منه بعد نجاتهم ان يجعل لهم آلهة من الأصنام ، ثم تخذوا العجل المصنوع وعبدوه 85 * * * فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا ، رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ أي فامتثلوا الامر ، إذ علموا انه يتوقف عليه إنجاز الوعد ، وصرحوا به في القول ، مع الدعاء بأن يحفظهم اللّه من فتنة القوم الظالمين بالفعل ، فان التوكل على اللّه الذي هو أكبر مقامات الايمان لا يكمل الا بالصبر على الشدائد ، والدعاء لا يصح ولا يقبل فيستجاب ، الا إذا كان مسبوقا أو مقارنا لاتخاذ الأسباب ، وهو أن تعمل ما تستطيع ، وتطلب من اللّه أن يسخر لك ما لا تستطيع . ولفظ « فِتْنَةً » هنا يحتمل معنى الفاتن والمفتون . فكأنهم قالوا ربنا لا تسلطهم علينا فيفتنونا ، ولا تفتنابهم فنتولى عن اتباع نبينا ، أو نضعف فيه فرارا من شدة ظلمهم لنا ، ولا تفتنهم بنا فيزدادوا كفرا وعنادا وظلما بظهورهم علينا ، ويظنوا أنهم على الحق واننا على الباطل ومن المعقول والثابت بالتجارب ان سوء حال المؤمنين وأهل الحق في أي حال من ضعف أو فقر أو عمل مذموم يجعلهم موضعا أو موضوعا لافتتان الكفار وأهل الباطل بهم ، باعتقاد انهم هم خير منهم ، كما قال تعالى ( 6 : 53 وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا