الشيخ محمد رشيد رضا
469
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( 87 ) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * * * هذه الآيات الخمس في بيان ما كان من شأن موسى مع قومه بني إسرائيل الذين أرسله اللّه ليخرجهم من مصر ، في إثر ما كان من شأنه مع فرعون وملئه 83 - فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ المتبادر إلى فهمي ان عطف هذه الجملة على ما قبلها بالفاء لإفادة السببية أو التفريع ، أي ان إصرار فرعون وقومه على الكفر بموسى بعد خيبة السحرة وظهور حقه على باطلهم ، ثم عزمه على قتله كما أنبأ اللّه تعالى بقوله ( 40 : 26 وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ ) يعني بالفساد الثورة والخروج على السلطان - كما قتل من آمن به من السحرة . كل هذا أوقع الخوف والرعب في قلوب بني إسرائيل قوم موسي فما آمن له إلا ذرية من قومه وهم الاحداث من المراهقين والشبان ، وقيل قوم فرعون ولكن من آمن به منهم كان يكتم إيمانه ولا يقال آمن له إلا من اتبعه مؤمنا ، ولم يكونوا صغارا . والذرية في اللغة الصغار من الأولاد ، قال الراغب وان كان يقع على الصغار والكبار معافي التعارف ، ويستعمل للواحد والجمع وأصله الجمع . عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ أي آمنوا على خوف من فرعون وملئهم أي أشراف قومهم الجبناء المرائين الذين هم عرفاؤهم عند فرعون فيما يطلب هو منهم ، فان الملوك يستذلون الشعوب ويستعبدونهم برؤساء وعرفاء منهم ، وقيل ملأ فرعون وجمع ضميره للتعظيم على خوف منه أن يفتنهم عن الايمان لموسى واتباع دينه بالتعذيب والارهاق . الفتون الابتلاء والاختبار الشديد للحمل على الشيء أو على تركه ، واستعمل في الاضطهاد والتعذيب للارتداد عن الدين بكثرة كما تقدم في تفسير ( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ) * . وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ أي والحال أن فرعون عات شديد العتو مستبد غالب قوي القهر في أرض مصر فهو جدير بأن يخاف منه . فالمراد بعلوه قهره واستبداده كما حكى اللّه عنه بقوله