الشيخ محمد رشيد رضا
45
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
رجسهم ، وأهل مسجد التقوى وهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وأنصاره الذين يحبون أكمل الطهارة لظاهرهم وباطنهم ، فاستفادوا بذلك محبة اللّه لهم ، وورد بصيغة استفهام التقرير ، لما فيه من تنبيه الشعور وقوة التأثير ، والبنيان مصدر كالعمران والغفران ، ويراد به المبني من دار أو مسجد وهو المتعين هنا . وتقدم آنفا معنى التأسيس . والشفا ( بالفتح والقصر ) الحرف والشفير للجرف والنهر وغيره . والجرف ( بضمتين ) جانب الوادي ونحوه الذي يتحفر أصله بما يجرفه السيل منه فيجتاح أسفله فيصير مائلا للسقوط . والهار الضعيف المتصدع المتداعي للسقوط « 1 » وهذا التعبير يضرب مثلا لما كان في منتهى الضعف والاشراف على الزوال ، وهو من أبلغ الأمثال ، لمنتهى الوهي والانحلال المراد بالمثل هنا بيان ثبات الحق الذي هو دين الاسلام وقوته ودوامه ، وسعادة أهله به ، وذكره بأثره وثمرته في عمل أهله وجماعها التقوى ، وبجزائهم عليه وأعلاه رضوان اللّه تعالى ، وبيان ضعف الباطل واضمحلاله ، ووهيه وقرب زواله ، وخيبة صاحبه وسرعة انقطاع آماله ، وشر أهله المنافقين ، وشر أعمالهم ما اتخذوه من مسجد الضرار للمفاسد الأربعة المبينة في الآية الأولى من هذا السياق وقد ذكر في وصف بنيان الفريق الأول وهم المؤمنون المشبه دون المشبه به لأنه المقصود بالذات ولم يذكر فبما قبله من عملهم إلا المبالغة في الطهارة . وذكر من وصف بنيان الفريق الثاني الهيئة المشبه بها دون المشبه ، لأنه ذكر فيما قبل مقاصدهم منها كلها ، وهذا من دقائق إيجاز القرآن تقول في المعنى الجامع بين المشبه به في الفريقين : أفمن أسس بنيانه الذي يتخذه مأوى وموئلاله ، يقيه من فواعل الجو وعدوان كل حي ، وموطنا لراحته ، وهناء معيشته ، على أمتن أساس وأثبته ، وأقواه على مصابرة العواصف والسيول ، وصد الهوام والوحوش - هو خير بنيانا ، وراحة وأمانا ؟ أم من أسس بنيانه على أوهى القواعد وأقلها بقاء واستمساكا ، فهي عرضة للانهيار ، في كل لحظة من ليل أو نهار ؟ وأما معنى المشبه المقصود بالذات في كل منهما فيصور هكذا : أفمن كان مؤمنا صادقا يتقي للّه في جميع أحواله ، ويبتغي رضوانه في أعماله ، بتزكية نفسه بها ونفع
--> ( 1 ) أصله هائر من هار يهور فهو هائر وهار ، ومثله شائك وشاك ، وصائت وصات