الشيخ محمد رشيد رضا

463

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أي فانظر أيها الرسول بعين بصيرتك وعقلك كيف كانت عاقبة القوم الذين أنذرهم رسولهم وقوع عذاب اللّه عليهم فأصروا على تكذيبه ، فكذا تكون عاقبة من يصرون على تكذيبك من قومك ، وكذلك تكون عاقبة المؤمنين المتبعين لك ، قدم ذكر تنجية المؤمنين واستخلافهم على إغراق المكذبين وقطع دابرهم ، لأنه هو الأهم في سياق صدق الوعد والوعيد من وجهين : أولهما تقديم مصداق الوعد لتسلية النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وتسرية حزنه على قومه ومنهم ، وثانيهما كونه هو الأظهر في الحجة على أنهما ( أي الوعد والوعيد ) من اللّه تعالى القادر على ايقاعهما على خلاف ما يعتقد المشركون المكذبون المغرورون بكثرتهم وقلة أتباع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وخلاف الأصل المعهود في المصائب العامة في العادة وهو أنها تصيب الصالح والصالح على سواء ، فلا تمييز فيها ولا استثناء ، ولكنه هو الذي جرت به سنة اللّه تعالى في مكذبي الرسل من بعد نوح فكان آية لهم ، فلولا أن الامر بيد اللّه على وفق وعده ووعيده لما هلك الألوف الكثيرون ، ونجا أفراد قليلون لهم صفة خاصة أخرجهم منهم تصديقا لخبر رسولهم ، وما سيق هذا النبأ هنا الا لتقرير هذا المعنى ، وغفل عنه الباحثون عن نكتة البلاغة في العدول عن الضمير إلى الاسم الموصول فقالوا انها تعجيل المسرة للمؤمنين والايذان بأن الرحمة مقدمة على العذاب ، ولكن ما قلناه هو المقصود الأول لذاته الذي يقتضيه السياق والحمد للّه ملهم الصوب * * * ( 74 ) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ ، كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ بين اللّه تعالى في هذه الآية عبرة أخرى من عبر مكذبي الرسل وسنة من سننه فيهم تكملة لما بينه في حال قوم نوح مع رسولهم عسى أن يعتبر بها أهل مكة فيعلموا كيف يتقون عاقبة المكذبين من قوم نوح وغيرهم ، فان كل سوء وضر علم سببه أمكن اتقاؤه باتقاء سببه إذا كان من عمل الناس الاختياري كالكفر والاعتداء والظلم 74 ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ أي بعثنا من بعد نوح رسلا مثله