الشيخ محمد رشيد رضا

461

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يعتز به كل من الرسولين من التوكل على اللّه والاعتماد عليه في النصر والعزة وحسن العاقبة ، والجزم باهلاك المصرين على تكذيبه ونجاة المؤمنين المتبعين له بجعلهم خلائف الأرض وأصحاب السلطان فيها صورت الآية لأهل مكة البلغاء هذه المعاني بمطالبة نوح عليه السّلام لقومه على كثرتهم وقوتهم - المشهور في تواريخ الأمم وظواهر الكتب المقدسة أنهم جميع أهل الأرض - بأن يفعلوا ما استطاعوا من الايقاع به واكتفاء أمره ، والاستراحة من دعوته ، مطالبة القوي العزيز المدل ببأسه ، المعتصم بايمانه بوعد ربه وتوكله عليه ، للضعيف العاجز عن تنفيذ مراده مهما يكن من استيفائه لجميع أسبابه الطبيعية والكسبية ، إذ أمرهم في المرتبة الأولى باجماع أمرهم بالعزيمة الصادقة وقوة الإرادة الجازمة حتى لا يكون شيء من موجباتها متفرقا بينهم ، وان يضموا إلى هذه القوة النفسية الكسبية قوة الايمان المعنوية بشركائهم وآلهتهم ، ولما كانت العزيمة الصادقة المجمعة قد يعرض لها الوهن أو العلل المقتضية للفسخ قبل التنفيذ نهاهم أن يكون في أمرهم الذي أجمعوا شيء من الغمة والخفاء الذي يقتضى ذلك ( فان قيل ) ان إجماع العزم في الامر لا يكون بعد الجزم بالعلم بالمقتضي له الباعث عليه ، إذ لو كان الامر غمة امتنع إجماعه كما يمتنع إجماع الصيام من الليل في أول رمضان إذا غم الهلال في ليلة الثلاثين من شعبان ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم « صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فان غم عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين » رواه الشيخان والترمذي عن أبي هريرة ورواه غيرهم عن غيره ، فالامر باجماع الامر يغني عن النهي ان يكون غمة فما حكمة ذكره بعده وعطفه عليه بثم الدالة على تأخره عنه في الرتبة ؟ ( قلت ) يكفي في إجماع الامر على الابقاع بنوح عليه السّلام ان يعتقدوا انه مصلحة لهم غير معارضة بمفسدة أرجح منها ، وهذا لا يمنع ان يعرض لهم قبل تنفيذه شيء من الغمة والحيرة المقتضية للفسخ أو التردد ، فمن ثم اقتضت المبالغة في أمر التعجيز المذكور ان يؤكد بهذا النهي عن الغمة في المستقبل واقتضت البلاغة ان يعطف بثم لان مرتبته متأخرة عن مرتبة ذلك الامر وما يستلزمه من العلم بالمقتضي له ، كما أن مرتبة قضاء ذلك الامر وتنفيذه متأخرة عن مرتبة الامر