الشيخ محمد رشيد رضا
451
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ورد عن السلف فإذا حرك قلوبنا وارد استفتحنا باب ربنا وسألناه الفهم في كلامه فنتكلم في ذلك الوقت بقدر ما يفتحه على قلوبنا ، فسلموا لنا تسلموا ، فإننا فخارة فارغة ، والعلم علم اللّه تعالى » اه أقول من أين نعلم أو يعلمون هم أن خواطرهم التي يسمونها الواردات من الالهام الإلهي لا من الوسواس الشيطاني ، وكيف نسلم لهم ما لا نعلم ، والالهام الصحيح ليس بحجة كما تقدم ؟ ثم كيف لا ننكر عليهم ما نراه مخالفا للكتاب والسنة وآثار السلف ، وموافقا لالحاد الباطنية أو بدع الخلف ، وانا وإياهم متفقون على أنه هو الحق الذي لا يصح الخلاف فيه ؟ فثبت إذا ان أولياء اللّه تعالى الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، هم من عرفهم تعالى بقوله الحق ( الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ) وانهم درجات كما بينها اللّه تعالى في قوله ( 35 : 32 ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ، ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ) فالظالم لنفسه من يقصر في اتباع الكتاب ولو بترك بعض الفضائل ، والمقتصد من يترك ما نهى عنه ، ويفعل ما أمر به من الواجبات القاصرة على نفسه ، والسابق بالخيرات من يزيد على ذلك التقرب بالنوافل ، والتكمل بالفضائل ، والجمع بين التعلم والتعليم والتأدب والتأديب ، حتى يكون إماما للمتقين ، فهذه درجة المقربين من شهداء اللّه والصديقين ، وما قبلها درجة الصالحين من الأبرار أصحاب اليمين ، فراجع سورتي الواقعة والمطففين ، ففيهما بيان لقوله تعالى ( 4 : 69 وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ ) وهي تفسير لدعائك في كل ركعة بقوله تعالى ( اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ) وبهذا تقوم حجة اللّه على العالمين ، بان هذا الدين تنزيل من رب العالمين ، وقد أكمله لنا قبل أن يقبض اللّه رسوله محمدا خاتم النبيين صلّى اللّه عليه وسلّم وإنه لو صح شيء مما ابتدعه الناس فيه بفلسفتهم العقلية أو النفسية أو بما ادعوه من الكشف لما صحت شهادة اللّه باكماله ، ولا أنه من عنده لا من عند أحد من خلقه ، وهذا كل غرضنا من هذا البحث ، وقد ظهر به الحق وللّه الحمد