الشيخ محمد رشيد رضا

42

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

هي المقصودة بالنهى لطلبهم لها منه صلّى اللّه عليه وسلّم لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ اللام الداخلة على المسجد للقسم أو للابتداء . والتأسيس وضع الأساس الأول للبناء الذي يقوم عليه وبرفع ، والمراد منه هنا القصد والغرض من البناء ، والتقوى الاسم الجامع لما يرضي اللّه ويقي من سخطه ، أي ان مسجدا قصد ببنائه منذ وضع أساسه في أول يوم تقوى اللّه تعالى باخلاص العبادة له وجمع المؤمنين فيه على ما يرضيه من التعارف والتعاون على البر والتقوى هو أحق أن نقوم فيه أيها الرسول مصليا بالمؤمنين من غيره ، ولا سيما ذلك المسجد الذي وضع أساسه على المقاصد الأربعة الخبيثة ، والسياق يدل على أن المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم مسجد قباء ، وقد صح في أحاديث رواها الإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سئل عنه فأجاب بأنه مسجده الذي في المدينة ففي رواية مسلم عن أبي سعيد انه لما سأله أخذ صلّى اللّه عليه وسلّم كفا من حصباء فضرب به الأرض ثم قال « هو مسجدكم هذا » وفي رواية لاحمد عنه وعن سهل بن سعد « هو مسجدي هذا » ولفظ الآية لا يمنع من إرادة كل من المسجدين ، لان كلا منهما قد بناه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ووضع أساسه على النقوي من أول يوم شرع فيه ببنائه أو من أول يوم وجد في موضعه ( والتحقيق أن « من » تدخل على الزمان والمكان ) فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا هذه جملة وصف بها المسجد الذي أسس على التقوى تؤكد ترجيح القيام مع أهله المطهرين في مقابل أهل مسجد الضرار وهم رجس والمعنى : فيه رجال يعمرونه بالاعتكاف وإقامة الصلاة ، وذكر اللّه وتسبيحه فيه بالغدوّ والآصال ، يحبون أن يتطهروا بذلك من كل ما يعلق بأنفسهم من درن الآثام ، أو التقصير في إقامة دعائم الاسلام ، كما تطهر المتخلفون منهم عن غزوة تبوك بالتوبة والصدقات ، ومن لوازم عمارته المعنوية والعكوف فيه طهارة الثوب والبدن الحسية ، وطهارة الوضوء والغسل الحكمية ، فالتطهر صيغة مبالغة تشمل الطهارتين النفسية والبدنية ، ووردت الروايات بكل منهما ، ولكل من الاستعمالين موضع من التنزيل ، والجمع بينهما هو الأولى