الشيخ محمد رشيد رضا
411
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ هذه الآية بيان مستأنف يتضمن بمفهومه تعليلا لما فهم مما قبلها من عقاب المفترين على اللّه بكونه عدلا استحقوه بظلمهم لأنفسهم لا ظلما منه ، وهو اثبات فضله على الناس بهذه الجملة المؤكدة أشد التوكيد ، فأفاد ان صاحب هذا الفضل العظيم عليهم لمجرد احسانه إليهم ، ليس من شأنه أن يكون ظالما لهم إذا قابلوا أكثر فضله ونعمه ، بأشد الكفر وأنكره ، وهذا المعنى المفهوم من الآيتين من أغرب ايجاز القرآن المعجز للبشر . والمعنى : تاللّه ان اللّه لذو فضل عظيم على الناس في كل ما خلقه لهم من الرزق ، وكل ما شرعه لهم من الدين ، ومنه انه جعل الأصل فيما أنزله إليهم من الرزق الإباحة ، وجعل حق التحريم والتحليل له وحده عز وجل ، لكيلا يتحكم فيهم أمثالهم من عباده ، كالذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، كما تقدم في تفسير سورة التوبة - براءة - « 1 » وهو لم يحرم عليهم إلا ما هو ضار بهم . ولهذا أباح لهم ما حرمه عليهم إذا اضطروا اليه وكان تركه أضر من تناوله ، وحصر أصول محرمات الطعام في قوله ( 6 : 145 قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ ، فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وفصل أنواع الميتة المحرمة في أول سورة المائدة ( 5 : 3 ) فراجع تفسير الآيتين « 2 » وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * فضله عليهم كما يجب ، كما قال ( وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ ) فيجنون على أنفسهم بتحريم ما لم يحرمه عليهم ، وبغير ذلك من كفر نعمه المادية والمعنوية ، كالعلو في الزهد ، وبرك الزينة والطيبات من الرزق ، وفي ضد ذلك من الاسراف في الاكل والشرب ، وزينة اللباس ، ابتغاء الشهرة والخيلاء والتكبر على الناس ، وشر من ذلك كله تحريمه تعبدا والاسلام يأمر بالوسط والاعتدال ( 65 : 7 لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ ) الآية أخرج الإمام أحمد من طرق عن أبي الأحوص وهو عوف بن مالك بن نضلة
--> ( 1 ) راجع صفحة 363 ج 10 تفسير ( 2 ) الأولى في ص 148 ج 7 والأخرى في ص 133 ج 6