الشيخ محمد رشيد رضا

401

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

النساء ( 4 : 58 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ) الآية ، وتقدم غير ذلك من أمثلة الوعظ وسيأتي غيره مما يفسر مراده تعالى من موعظته الربانية ، فهل يمكن أن يتمارى عاقلان في حسنها ومنفعتها للعباد في أعمالهم وأحكامهم ؟ كلا انها مما يتوقف عليه صلاح العباد في كل زمان ومكان ( الثانية شفاء ما في الصدور ) أي شفاء جميع ما في القلوب من أدواء الشرك والكفر والنفاق ، وسائر الأمراض النفسية التي يشعر صاحبها ذو الضمير الحي بضيق الصدر ، من شك في الايمان ، ومخالفة للوجدان ، واضمار للحقد والحسد والبغي والعدوان ، وحب للباطل والظلم والشر ، وبغض للحق والعدل والخير قال الراغب : قال بعض الحكماء حيثما ذكر اللّه القلب فإشارة إلى العقل والعلم نحو ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ) وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك وإلى سائر القوى من الشهوة والهوى والغضب ونحوها ، وقوله ( رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ) فسؤال لإصلاح قواه ، وكذلك قوله ( وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ) إشارة إلى اشتفائهم . وقوله ( فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) أي العقول التي هي مندسة فيما بين سائر القوى وليست مهتدية واللّه أعلم بذلك اه والتحقيق أن الصدر يطلق مجازا على القلب الحسي الذي فيه وعلاقته ظاهرة وعلى القلب المعنوي الذي هو للنفس كالقلب الحسي للبدن لأنه لبها ، ومركز شعور مداركها وانفعالاتها ، دون الدماغ فان النفس لا تشعر بما ينطبع فيه من المدركات من انشراح وبسط ، ولا حرج وضيق وقبض ، فجميع الادراكات العلمية والوجدانية توصف بها القلوب حقيقة والصدور مجازا ، وتكون فاعلة ومفعولة وصفات للأفعال العاملة فيهما . وأما العقل في اللغة فهو الحكم الصحيح في بعض الادراكات ولوازمها من حسن وقبح وصلاح وفساد ، ونفع وضر ، ومركزه الدماغ قطعا فأمراض الصدور والقلوب تشمل الجهل وسوء الظن ، والشك في الايمان ، والنفاق ، والحقد والضغن والحسد ، وسوء النية وخبث الطوية ، وفساد السريرة ، وغير ذلك مما تقدم آنفا ، والشواهد على هذا في القرآن كثيرة « تفسير القرآن الحكيم » « 51 » « الجزء الحادي عشر »