الشيخ محمد رشيد رضا
399
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في تفسير الآيتين 31 و 34 وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ عندما يحييكم بعد موتكم ويحشركم ليحاسبكم ويجزيكم باعمالكم فهذه الآية بيان مستأنف لما قبله بالايجاز ، وجملة هذه الآيات خاتمة هذا السياق . * * * ( 57 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 58 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * * * هاتان الآيتان في موضوع تشريع القرآن العملي التهذيبي جاء بعد بيان عقائدء الثلاث ( التوحيد والرسالة والبعث ) وتأييدها بالاستدلال على كونه من اللّه تعالى ، وعلى صدق وعده ووعيده ، والرد على مكذبيه ، وقد أجمل في الآية الأولى جميع مقاصد هذا التشريع واصلاحه للناس بما يظهر به للعاقل انه حق وخير وصلاح بذاته لا يصح لعاقل ان يماري فيه ، ولا ان يحتاج للاستدلال عليه فقال يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أي قد جاءكم كتاب جامع لكل ما تحتاجون اليه من موعظة حسنة لاصلاح أخلاقكم وأعمالكم الظاهرة ، وحكمة بالغة لاصلاح خفايا أنفسكم وشفاء أمراضها الباطنة ، وهداية واضحة للصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة ، ورحمة خاصة للمؤمنين ، هي شجنة من رحمة رب العالمين ، العامة للخلق أجمعين ، يتراحمون بها فيما بينهم ، فتكمل بها رحمته تعالى لهم ، ورحمته للعالمين برسوله إليهم وبهم ، وقد عرف هذا من تاريخهم أشهر فلاسفة التاريخ من الإفرنج « 1 » فقال « ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب » فكأن اللّه تعالى يقول للناس ، بعد بيان هذه المقاصد الأربعة للقرآن . فما بالكم أيها الناس تكذبون بما لم تحيطوا به علما من أخبار هذا الكتاب ، التي هي من علم الغيب عن المآل والمآب ، ولا تفكرون
--> ( 1 ) هو الحكيم الاجتماعي المؤرخ الدكتور غوستاف لوبون الفرنسي