الشيخ محمد رشيد رضا
394
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي لا تجزون إلا بما كنتم تكسبونه باختياركم من الكفر والظلم والفساد في الأرض ، والعزم على الثبات عليه وعدم التحول عنه ، وليس فيه شيء من الظلم ، لأنه أثر لازم لتدسية النفس وافسادها بالظلم ، حتى لم تعد أهلا لجوار الرب عز وجل وليس عذابا أنفا من خارجها ، وتقدم بيانه في تفسير قوله تعالى ( 6 : 139 سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ) * * * وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ ؟ النبأ الخبر المهم ذو الفائدة العظيمة والاستنباء طلبه ، وهذا إخبار عن بعض الكفار والمكذبين فإنهم لم يكونوا على يقين من تكذيبهم وانما كانوا ظانين مستبعدين ، بين معاندين ومقلدين ، وقد تقدم في هذا السياق قوله تعالى ( وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ) والمعنى ويسألونك أيها الرسول أن تنبئهم عن هذا العذاب الذي تعدهم به في الدنيا والآخرة أحق هو سيقع بالفعل ؟ أم هو إرهاب وتخويف ؟ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ إي بكسر الهمزة وسكون الياء الخفيفة حرف جواب وتصديق بمعنى نعم ، وإنما يستعمل مع القسم ، أي نعم أقسم لكم بربي انه لحق واقع ، كما قال في أول سورة الطور بعد القسم ( إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ ) وقد أكده هنا بالقسم وبان مع الجملة الاسمية ( وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ ) للّه تعالى عن إنزاله بكم ، ولا بفائتيه هربا منه ، وقد علم مؤمنوا الجن ما جهلتم إذ قالوا كما حكى اللّه عنهم ( وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً ) وقد استشكل بعض المفسرين السؤال باستبعاد أن يكون الاستفهام حقيقيا من المكذبين ، والجواب بزعمهم ان تأكيده بالقسم وغيره من المؤكدات اللفظية لا يقنع السائلين ، ومن عرف أخلاق العرب في زمن البعثة لم يستشكل السؤال إلا أن يكون السائلون من المعاندين للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فحينئذ يكون الاستفهام للتهكم والاستهزاء ، أو كما قيل . انما سألوا أهو جد أم هزل ، فأرادوا من الحق لازمه وهو الجد لا مقابل الباطل ، والمعروف من أخلاق العرب في ذلك العهد أنه كان يقل فيهم الكذب لعزة أنفسهم ، وعدم خضوعهم لرياسة استبدادية تضطرهم إليه ، وكانوا