الشيخ محمد رشيد رضا

389

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ويصروا بعده التكذيب ولن يقع ، ولكن في آية يونس هذه إشارة إلى أن اللّه تعالى سيري رسوله بعد نزولها بعض الذي يعدهم لا كله ، وقد أنجز له ذلك فأراه ما نزل بهم من القحط والمجاعة بدعائه عليهم ، ونصره عليهم أعظم النصر في أول معركة هاجمه بها رؤساؤهم وصناديدهم وهي غزوة بدر وفي غيرها إلى فتح عاصمتهم الكبرى أم القرى واكمال الدين ودخول الناس فيه أفواجا ، وقد تقدم بيان ذلك كله في مواضعه * * * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ أي انه تعالى جعل لكل أمة من الأمم الخالية رسولا بعثه فيها في وقت الحاجة اليه يبين لهم أصول دينه الثلاث : الايمان باللّه ، واليوم الآخر ، والعمل الصالح المناسب لحال زمنهم فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ وقامت الحجة عليهم قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي قضى اللّه بينه وبينهم بالعدل وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ في قضائه تعالى كما تقدم وسيأتي تأكيده قريبا . * * * وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ أي ويقول كفار قريش للنبي ومن اتبعه من المؤمنين : متى يقع هذا الوعد الذي تعدوننا به إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قولكم ان اللّه تعالى سينتقم لكم منا وينصركم علينا ، أي في مثل قوله ( 19 : 75 حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضْعَفُ جُنْداً ) وقوله ( 19 : 75 حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً * عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ) الخ * * * وههنا لقن اللّه رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم الجواب بقوله قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً أي انني بشر رسول لا أملك لنفسي فضلا عن غيرها شيئا من التصرف في الضر فأدفعه عنها ولا النفع فأجلبه لها ، من غير طريق الأسباب التي يقدر غيري عليها ، وليس منها إنزال العذاب بالكفار المعاندين ، ولا هبة النصر للمؤمنين إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي لكن ما شاء اللّه من ذلك كان متى شاء لا شأن لي فيه لأنه خاص بالربوبية دون الرسالة التي وظيفتها التبليغ لا التكوين . هكذا قال جمهور المفسرين ان الاستثناء هنا منقطع وله أمثال تقدم بعضها كقوله تعالى وهو من أظهرها الصريح في هذا