الشيخ محمد رشيد رضا

384

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ، أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ ) فراجع تفسيرها للاعتبار والاتعاظ - وقد بين ذلك بيانا مستأنفا بما يبطل القول بالجبر فقال * * * إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً أي اللّه تعالى لم يكن من شأنه ولا من سنته في خلق الناس ان ينقصهم شيئا من الأسباب التي يهتدون باستعمالها إلى ما فيه خيرهم ومنافعهم من الاعمال الاختيارية الموصلة إلى سعادة الدنيا والآخرة وهي الحواس والعقل وسائر القوى ، فالظلم هنا بمعناه اللغوي الأصلي وهو نقص ما تقتضي الخلقة الكاملة وجوده كقوله تعالى ( كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً ) وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ أي يظلمونها وحدها لان عقاب ظلمهم واقع عليهم دون غيرهم ، فهم يجنون عليها بكفرهم بما أنعم اللّه عليهم من هدايات المشاعر والعقل والدين ، وهو عدم استعمالها فيما منحهم إياها لأجله من اتباع الحق في الاعتقاد والهدى في الاعمال ، وهو الصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدارين ، المجي من عذابهما وقرأ حمزة والكسائي ( ولكن ) بتخفيف النون و ( الناس ) بالرفع . وقد وضع الاسم الظاهر موضع الضمير إذ قال « وَلكِنَّ النَّاسَ » ولم يقل « ولكنهم » للإشارة إلى أن هذا الظلم خاص بهم دون سائر أنواع الحيوان فإنها لا تعدو في استعمال مشاعرها وقواها ما خلقت لأجله من حفظ حياتها الشخصية والنوعية ، وأما الناس فقد يستعملونها فيما يضرهم في حياتهم الحيوانية الدنيوية ، وفي حياتهم الروحية الأخروية ، كما قال ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ) وقدم المفعول ( أَنْفُسَهُمْ ) على عامله لإفادة قصر هذا الظلم على أنفسهم دون غيرهم أو دون ربهم الذي كفروا بنعمه ، كما قال تعالى في بني إسرائيل من سورة البقرة ( 2 : 54 ) وسورة الأعراف ( 7 : 159 وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * هذا هو المتبادر في هذا المقام من نفي ظلم الناس عن اللّه تعالى وقصره على أنفسهم ، ويحتمل أن يراد به انه تعالى لا يظلمهم بعقابه لهم شيئا بأن يعاقبهم على غير ذنب أو يزيد على قدر الذنب ، ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم بذنوبهم دون غيرهم ، على قاعدة ( 6 : 164 وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها ) الآية فراجع