الشيخ محمد رشيد رضا
382
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بالحجج البينات ، ان يتبرأ منهم ، وينتظر أمر اللّه فيهم ، كان من شأن هذا النبأ أن يثير عجبه لغرابته في نفسه ، وأن يسوءه لما يشير إليه من انتقام اللّه منهم ، بين له مثل الذين فقدوا الاستعداد للايمان ، وعلمه ما لم يكن يعلمه من سنة اللّه تعالى فيهم ، وكون مصيبتهم من أنفسهم ، فلا حول له ولا قوة على هدايتهم ، فقال : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أي يصيخون باسماعهم مصغين إليك إذا قرأت القرآن ، أو بينت ما فيه من أصول الايمان والاحكام ، ولكنهم لا يسمعون إذ يستمعون ، إذ لا يتدبرون القول ولا يعقلون ما يراد به ، ولا يفقهون ما يرمى إليه ، لان الاستماع إليك مقصود عندهم لذاته لا لما يراد به ، وهي بلاغته في غرابة نظمه ، وجرس الصوت بترتيله ، كمن يستمع إلى طائر يغرد على فننه ، ليستمتع بصوته لا ليفهم منه ، كما قال ( 21 : 2 ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ 3 لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) أو كالبهائم يصيح بها الراعي فترفع رءوسها لاستماع صوته الذي راعها فصرفها عن رعيها ، كما قال ( 2 : 171 وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً . صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) أو كما قال ( 6 : 25 وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً ) والقاعدة الطبعية الشرعية ان الأمور بمقاصدها . ونحن نرى كثيرا من الناس يقصدون قراء القرآن في ليالي رمضان أو في المآتم ليستمعوا إلى فلان القارئ الحسن الصوت لغرض التلذذ بترتيله وتوقيع صوته ، أو بلاغته ولا أحد منهم ينتفع بشيء من مواعظ القرآن ونذره ، وحكمه وعبره ، ولا عقائده وأحكامه ، ومنهم المسلمون وغير المسلمين ، بل سمعت بأذني من غير المسلمين من يستمع القرآن ويعجب من شدة تأثيره وتغلغله في أعماق القلب وهو لا يؤمن به ، ولهذا قال تعالى أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ هذا الاستفهام للانكار ، يعني ان السماع النافع للمستمع هو ما عقل به ما يسمعه وفقهه وعمل بمقتضاه ، فمن فقد هذا كان كالأصم الذي لا يسمع ، وأنت أيها الرسول لم تؤت القدرة على إسماع الصم أي فاقدي حاسة السمع حقيقة ، فكذلك لا تستطيع الاسماع النافع الصم مجازا وهم الذين لا يعقلون