الشيخ محمد رشيد رضا

373

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

جواب للمرتابين فيه وهم المكذبون فهو تأكيد لما قبله ، لأنه نزل بعده ، وهي مدنية وهن مكيات . فان منعنا هذا وقلنا إن التنكير فيها يصدق بأصغر سورة وهي الكوثر ، وسلمنا أنه لا يظهر فيها اعجاز النظم والأسلوب ( قلنا ) انها معجزة بما فيها من الايجاز وخبري الغيب في أولها وآخرها كما شرحناه في تفسير الآية من الجزء الأول . وفي الجلالين ما يؤيد هذا فقد قال في آية البقرة : هي مثله في البلاغة وحسن النظم والاخبار عن الغيب اه وقال في آية يونس : هي مثله في الفصاحة والبلاغة على وجه الافتراء اه وإعجاز السور الصغيرة المعنوي بالهدى والنور وإصلاح القلوب ، لا يكابر فيه الا الجهول المحجوب . * * * بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ هذا إضراب عن بعض ما يتضمنه قولهم ( افتراه ) وما يستلزمه ككونهم يعتقدون أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كان يكذب ، أو ان القرآن في جملته افتراء منه ، وقد ثبت أنهم كانوا يعلمون تحريه الصدق في كل ما يقوله ، وانتقال إلى بيان موضوع تكذيبهم بظنهم انه محال في نفسه ، وهو ما أنذرهم من عذاب اللّه لهم في الدنيا والآخرة إن لم يؤمنوا له ويتبعوه ، وقد وصفهم بعدم احاطتهم بعلمه أي لم يعلموه من جميع وجوهه ونواحيه ، وبأنه لما يأتهم تأويله أي مصداقه إلى ذلك الوقت مع توقع إتيانه ، وبتشبيه تكذيبهم إياه بتكذيب الذين من قبلهم بمثله ، فبين ما كذبوا به بهذه الصفات الثلاث فالوصف ( الأول ) لما كذبوا به أنه ما لم يحيطوا بعلمه فيكون تكذيبهم صحيحا وانما ظنوا ظنا ، والظن لا يغني من الحق شيئا ( والثاني ) قوله وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ أي ولم يأتهم إلى الآن ما يؤول اليه ويكون مصداقا له بالفعل ، واتيانه متوقع بل آت لا بد منه ، وقد خبط المفسرون الفنيون في معنى هذا التأويل منذ القرون الوسطى ، لأنهم لم يفهموا القرآن بلغته الحرة الفصحى ، بل بلغة اصطلاحاتهم الفنية ولا سيما أصول الفقه والكلام ، فقال بعضهم إنهم كذبوا بما لم يفهموا معناه ، وقال بعضهم إنهم كذبوا بما لم يظهر لهم وجه الاعجاز فيه ، ولو صح هذا أو ذاك لكانوا معذورين بالتكذيب طبعا ، وسبب مثل هذا الغلط جعلهم التأويل تارة بمعناه عند بعض المفسرين وهو رديف التفسير ، وتارة بمعناه عند المتكلمين والأصوليين ، وهو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى