الشيخ محمد رشيد رضا
368
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
في الرد ، أي وما كان هذا القرآن العظيم في علو شأنه ، المجلي له في أسلوبه ونظمه ، وعلومه العالية ، وحكمته السامية ، وتشريعه العادل ، وآدابه المثلى ، وتمحيصه للحقائق الإلهية والاجتماعية ، وإنبائه بالغيوب الماضية والآتية ، وجعل المقصد من اصلاحه ما بينه آنفا من اتباع الحق والهدى ، واجتناب الضلال باتباع الهوى ، والاعتماد فيهما على العلم الصحيح - ما كان وما صح ولا يعقل أن يفتريه أحد على اللّه من دونه ويسنده اليه ، إذ لا يقدر غيره عز وجل عليه ، فان فرض أن بشرا يستطيع الاتيان بمثله فلن يكون الا بشرا أرقى وأكمل من جميع الحكماء والأنبياء وكذا الملائكة ومثله لن يفتري على اللّه ، بل قال أشد الكفار عنادا وعداوة لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو أبو جهل لعنه اللّه : ان محمدا لم يكذب على بشر قط أفيكذب على اللّه ؟ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي ولكن كان تصديق الذي سبقه من الوحي لرسل اللّه تعالى بالاجمال كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ( ص ) بدعوته إلى أصول دين اللّه الاسلام التي دعوا إليها من الايمان باللّه واليوم الآخر والعمل الصالح ، بعد أن نسي بغض ذلك بقايا اتباعهم وضلوا عن بعض ، وشوهوه بالتقاليد المبتدعة مما لم يكن يعلمه محمد الأمي صلّى اللّه عليه وسلّم أو تصديق ذلك بكونه جاء وفاقا لما دعا به إبراهيم لأهل حرم اللّه ، ولما بشر به موسى وعيسى والنبيون كما بيناه بالتفصيل ، في تفسير قوله تعالى ( 7 : 157 الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ ) من جزء التفسير التاسع ، ويجوز الجمع بين المعنيين وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ الإلهي أي جنسه وهو ما شرعه اللّه تعالى ليكتب ويهتدي به جميع البشر من العقائد والشرائع والعبر والمواعظ وشؤون الاجتماع وسنن اللّه في خلقه لا رَيْبَ فِيهِ هو لا ريب فيه أو حال كونه لا ريب فيه أي ليس فيه مثار للشك ولا موضع للريب ، لأنه الحق والهدى مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ من وحيه لا يقدر عليه غيره وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً ) * * * أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ انتقال من بيان كونه أجل وأعلى من أن يفترى لعجز الخلق عن الاتيان بمثله ، إلى حكاية زعم هؤلاء الجاهلين والمعاندين أن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم افتراه ،