الشيخ محمد رشيد رضا
35
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الاجماع لصحة معناه بموافقته للآيات والصحاح من الاخبار ، وإنما يدل على اجماع الأمة ، أمة الإجابة وأهل الاستقامة ، لا على الاجماع المصطلح عليه عند الأصوليين . وفي معناه قول ابن عباس « ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن » رواه عنه احمد في السنة لا في المسند ، ومن الناس من يظن أنه حديث مرفوع ، ويستدل به الجهال حتى من المعممين أدعياء العلم على استحسان البدع الفاشية حتى في العقائد الثابتة ، كبدع القبور التي كان يلعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فاعليها في مرض موته ، من بناء المساجد عليها ، والصلاة إليها ، وايقاد السرج والمصابيح عندها ، بل ما هو شر من ذلك وهو عبادتها بالطواف حولها ، ودعاء أصحابها ، والنذر لهم ، والاستغاثة بهم ، حتى في الشدائد وهو ما لم يكن يفعله عباد الأصنام في مثل هذه الحال ، بل كانوا فيه يخلصون الدعاء للّه ، فلا حول ولا قوة إلا باللّه بعد هذا الارشاد إلى ما يقتضي الاحسان في الاعمال من مراقبة اللّه وتحري مرضاته ومرضاة رسوله وجماعة المؤمنين والخير لعباده بها ، ذكرهم تعالى بما يقتضي ذلك من جزاء الآخرة عليها ، فقال وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بالبعث بعد الموت فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا مما كان مشهودا للناس منه ، وما كان غائبا عن علمهم منه ومن نياتكم فيه ، ينبئكم به عند الحساب ، وما يترتب عليه من الجزاء بحسن الثواب ، أو سوء العذاب * * * ( 106 ) وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ هذه الآية عطف على قوله تعالى ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ) وهؤلاء هم القسم الأخير من المتخلفين عن غزوة تبوك . فقد علم مما تقدم ان المتخلفين منهم المنافقون وهم أكثرهم ، وقد تقدم بيان أقسامهم ومن اعتذر ومن لم يعتذر منهم ، ومنهم المؤمنون وهم قسمان ( أحدهما ) الذين اعترفوا بذنوبهم وتابوا وزكوا توبتهم بالصدقة وطلب دعاء الرسول