الشيخ محمد رشيد رضا

354

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

* * * فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ اي فكفى اللّه شهيدا وحكما بيننا وبينكم فهو العليم بحالنا وحالكم إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ اي اننا كنا في غفلة عن عبادتكم لا ننظر إليها ولا نفكر فيها ، وقيل إن المراد بالغفلة عنها عدم الرضا بها * * * هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ اي في ذلك المكان وهو موقف الحساب أو في ذلك الوقت أو اليوم تختبر كل نفس من عابدة ومعبودة ومؤمنة وجاحدة ، وشاكرة وكافرة ، ما قدمت في حياتها الدنيا من عمل ، وما كان لكسبها في صفاتها من أثر ، من خير وشر ، ونفع وضر ، بما ترى من الجزاء عليه ، وكونه ثمرة طبيعية له ، لا شأن فيه لولي ولا شفيع ، ولا معبود ولا شريك . وهنالك مواقف وأوقات أخرى لا سؤال فيها ولا جدال ، تغني فيها دلالة الحال عن المقال ، ولكل مقام مقال وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ اي أرجعوا إلى اللّه الذي هو مولاهم الحق دون ما اتخذوا من دونه بالباطل من الأولياء والشفعاء ، والأنداد والشركاء ، على اختلاف الأسماء ، كما ثبت في الآيات الكثيرة كقوله ( إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ * ، إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ * ، إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ * ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ * ) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ اي وضاع وذهب عنهم ما كانوا يفترونه عليه من الشفعاء والأولياء ، فلم يجدوا أحدا ينصرهم ولا ينقذهم ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ) هذه الآيات في موقف المشركين مع الشركاء ، والمرء وسين مع الرؤساء ، والمتكبرين مع الضعفاء ، والمضلين مع الضالين ، والغاوين مع المغوين ، قد تكرر بيانها في سور أخرى مجملا مبهما ، وفي بعضها مفصلا ومبينا ، فمنها ما يسأل اللّه فيه العابدين ، ومنها ما يسأل فيه المعبودين ، من غير تعيين ، ومنها ما عين فيه اسم الملائكة والجن والشياطين ، وفي كل منها يتبرأ المضلون من الضالين ، فتراجع فيها سورة الفرقان 25 : 17 - 19 وسورة الأنعام 6 : 22 - 22 وسورة سبأ 34 : 40 - 42 وسورة القصص 28 : 62 - 64 ومنها ما يتناقش فيها الفريقان فراجع سورة إبراهيم 14 : 21 و 22 وسورة الصافات 37 : 22 - 23 فبمراجعة هذه الآيات كلها وما في معناها كآيات سورة البقرة ( 2 : 166 و 167 ومع تفسيرنا لهاتين ( ج 2 ) يتبين لك ما يفسر به بعضها بعضا ، وقد بينا حكمة هذا التكرار في موضعه الذي دللنا عليه آنفا