الشيخ محمد رشيد رضا
348
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الاستعارة في أخذ الأرض زينتها ، حتى كان استكمال جمالها ، كأنه فعل عاقل حريص على منتهى الابداع والاتقان فيها ( صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ) وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها متمكنون من التمتع بثمراتها ، وادخار غلاتها ، أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً أي نزل بها في هذا الحال أمرنا المقدر لا هلاكها بجائحة سماوية ليلا وهم نائمون ، أو نهارا وهم غافلون فَجَعَلْناها حَصِيداً أي كالأرض المحصودة التي قطعت واستؤصل زرعها ، فالحصيد يشبه به الهالك من الاحياء كما قال في أهل القرية الظالمة المهلكة ( جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ ) ويشبه هذا الهلاك في نزوله في وقت لا يتوقعه فيه أهله قوله ( أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ * أَ وَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ) كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ اي هلكت فجأة فلم يبق من زروعها شيء ، حتى كأنها لم تنبت ولم تمكث قائمة نضرة بالأمس ، يقال غني في المكان إذا أقام به طويلا كأنه استغنى به عن غيره ، قال تعالى في الأقوام الهالكين في أرضهم ( كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا ) * والأمس الوقت الماضي ، وقال الزمخشري في الكشاف : والأمس مثل في الوقت القريب كأنه قيل : كأن لم تغن آنفا اه وأما أمس غير معرف فهو اسم لليوم الذي قبل يومك كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ اى كهذا المثل في جلائه وتمثيله لحقيقة حال الحياة الدنيا وغرور الناس فيها وسرعة زوالها ، عند تعلق الآمال بنوالها ، نفصل الآيات في حقائق التوحيد وأصول التشريع وأمثال الوعظ والتهذيب وكل ما فيه صلاح الناس في عقائدهم وأنفسهم وأخلاقهم ومعاشهم ، واستعدادهم لمعادهم ، لقوم يستعملون عقولهم وأفكارهم فيها ، ويزنون أعمالهم بموازينها ، فيتبينون ربحها وخسرانها والعبرة لمسلمي عصرنا في هذه الآيات البينات المنزلة وأمثالها التي اهتدى بها الشعب العربي فخرج من شركه وخرافاته وأميته وبداوته إلى نور التوحيد والعلم والحكمة والحضارة ، ثم اهتدى بدعوته إليها الملايين من شعوب العجم ، فشاركته في هذه السعادة والنعم ، انه لم يبق لهم حظ منها الا ترتيلها بالنغمات في بعض المواسم