الشيخ محمد رشيد رضا

335

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إكرام اللّه له وتأييده بها ، كما فعل فرعون وقومه عقب آيات موسى ، وكما فعل مشركو مكة إثر القحط الذي أصابهم بدعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليهم ، ثم رفع عنهم بدعائه فما زادهم ذلك إلا كفرا وجحودا ، ومكرا وكنودا . أخرج الشيخان من حديث عبد اللّه بن مسعود [ رض ] ان قريشا لما استعصوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم دعا عليهم بسنين كسني يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام والميتة من الجهد ، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ، فأنزل اللّه تعالى ( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ ) فأتي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقيل له يا رسول اللّه استق لمضر فإنها قد هلكت فقال « مضر ؟ » متعجبا ، وفي رواية فجاءه أبو سفيان فقال يا محمد انك جئت تأمرنا بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع اللّه ، فدعا لهم فكشف اللّه عنهم العذاب ومطروا ، فعادوا إلى حالهم ومكرهم الأول الذي تقدم فيه قوله تعالى ( 8 : 30 وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) الآية ، وقد بينا في تفسيرها وتفسير آية ( 7 : 98 ) وآية ( 3 : 54 ) معنى المكر في اللغة وكونه حسنا وسيئا ومعنى اسناده إلى اللّه تعالى . وخلاصته ان المكر عبارة عن التدبير الخفي الذي يفضي بالممكور به إلى مالا يحتسبه ولا يتوقعه ، وان مكره تعالى وهو تدبيره الذي يخفى على الناس انما يكون بإقامة سننه واتمام حكمه في نظام العالم وكله حق وعدل وحسن ، ولكن ما يسوء الناس منه يسمونه شرا وسوءا ، وإن كان جزاء عدلا ، ويراجع تحقيقه في الجزئين 3 و 9 من التفسير قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً اي قل أيها الرسول لهؤلاء الذين يسرعون في المكر كما دلت عليه المفاجأة : ان اللّه تعالى اسرع مكرا منكم ، إذ سبق في تدبيره لأمور العالم وتقديره للجزاء على الاعمال قبل وقوعها ان يعاقبكم على مكركم في الدنيا قبل الآخرة ، وهو عالم به لا يخفى عليه شيء منه ، وأكد هذا بقوله إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ يعني الحفظة من الملائكة الذين وكلهم اللّه تعالى باحصاء أعمال الناس وكتبها للحساب عليها في الآخرة . وكتابة المكر عبارة عن كتابة متعلقه من الاعمال اللاتي كان هو الباعث عليها ، ويجوز ان تكتب نيتها وهي المعنى