الشيخ محمد رشيد رضا

328

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ولم يكونوا في استعجال نبيهم العذاب إلا كالذين استعجلوا رسلهم العذاب أيضا وتقدم فيه بيان بعض طباع البشر ولا سيما الكفار في الرعونة والعجلة ، وفي الضراعة إلى اللّه والاخلاص له عند الشدة ونسيانه عند الرخاء ، وفي الاشراك باللّه بدعوى ان لهم شفعاء عند اللّه يدفعون عنهم الضر ويجلبون لهم النفع بوجاهتهم عنده ، ثم جاءت هذه الآية في بيان ما كان عليه الناس من الوحدة ، وما صاروا عليه من الاختلاف والفرقة ، فالتناسب بينها وبين ما قبلها في غاية القوة . وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا قيل إن المراد بالناس هنا العرب فإنهم كانوا حنفاء على ملة إبراهيم إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لحيّ الذي ابتدع لهم عبادة غير اللّه وصنع لهم الأصنام - كما ثبت في صحيح البخاري - فاختلفوا بأن أشرك بعضهم وثبت على الحنيفية آخرون . « 1 » وقيل وهو المختار ان المراد الجنس البشري في جملته فإنهم كانوا أمة واحدة على الفطرة ، إذ كانوا يعيشون عيشة السذاجة والواحدة كأسرة واحدة ، حتى كثروا وتفرقوا فصاروا عشائر فقبائل فشعوبا تختلف حاجاتها وتتعارض منافعها ، فتتعادى وتتقاتل في التنازع فيها ، فبعث اللّه فيهم النبيين والمرسلين لهدايتهم ، وإزالة الاختلاف بكتاب اللّه ووحيه ، ثم اختلفوا في الكتاب نفسه أيضا بغيا بينهم واتباعا لأهوائهم ، وتقدم تفصيل هذا في تفسير ( 2 : 213 ) وأقوال المفسرين في المسألة والترجيح بينها وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أي ولولا كلمة حق فاصلة سبقت من ربك في جعل جزاء الناس العام في الآخرة لعجله لهم في الدنيا باهلاك المبطلين الباغين منهم ، فالمراد من الكلمة قوله تعالى في هذه السورة ( 93 إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ومثله في سور أخرى والآية تتضمن الوعيد على اختلاف الناس المفضي إلى الشقاق والعدوان ولا سيما الاختلاف في كتاب اللّه الذي أنزله لإزالة الشقاق بحكمه ، وإدالة الوحدة

--> ( 1 ) بينا تاريخ وثنية العرب في فصل عقدناه عقب تفسير الآية 144 من سورة الأنعام ومنه هذه المسألة فيراجع في الجزء الثامن من التفسير