الشيخ محمد رشيد رضا
326
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ أي ويقولون في سبب عبادتهم لهم مع اعتقادهم أنهم لا يملكون الضر والنفع بأنفسهم لايمانهم بأن الرب الخالق هو اللّه تعالى : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ، فنحن نعبدهم بتعظيم هياكلهم وتطييبها بالعطر والطواف بها . وبتقديم النذور لهم ، والاهلال عند ذبح القرابين بأسمائهم ، وبدعائهم والاستغاثة بهم ، لأنهم شفعاؤنا عند اللّه يقربوننا اليه زلفى فيدفع بجاههم عنا البلاء ، ويعطينا ما نطلب من النعماء ، هذا ما يقوله منكر والبعث منهم وهم الذين لا يرجون لقاء اللّه تعالى في الآخرة ، على أنهم إذا فرضوا وجودها زعم مجرموهم أنهم يكونون فيها كما كانوا في الدنيا كما حكى اللّه تعالى عنهم بقوله ( وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ) وقوله في الانسان الكافر ( وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي ، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ، وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى ) وروي عن عكرمة أن النضر بن الحارث من كبار مجرميهم قال : إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى . وكذلك كل من يؤمن بالآخرة ممن يعبدون غير اللّه يعتقدون ان معبوديهم يشفعون لهم فيها كما يشفعون لهم في الدنيا ، فان أساس عقيدة الشرك أن جميع ما يطلبونه من اللّه لا بد أن يكون بوساطة المقربين عنده ، لأنهم لا يمكنهم القرب من اللّه والحظوة عنده بأنفسهم لأنها مدنسة بالمعاصي ، بخلاف دين التوحيد فإنه يوجب على العاصي أن يتوجه إلى اللّه وحده تائبا اليه طالبا مغفرته ورحمته قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ أي قل لهم أيها الرسول منكرا عليهم جهالتهم وافتراءهم على ربهم : أتخبرون اللّه تعالى وتعلمونه بشيء لا يعلمه من أمر هؤلاء الشفعاء في السماوات من ملائكته ولا في الأرض من خواص خلقه ، فإنه لو كان فيهما شفعاء يشفعون لكم عنده لكان أعلم بهم منكم ، فإنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فكيف يخفى عليه من لهم من المكانة عنده أن جعلهم وسطاء بينه وبين خلقه في قضاء حاجهم من نفع وضر وفي تقريبهم اليه زلفى كالوسطاء عند ملوك البشر الجاهلين بأمور رعيتهم والعاجزين