الشيخ محمد رشيد رضا
317
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
باق لهم لذاتهم أو لنسبتهم إلى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم وانهم يتفلتون من سنته في الظالمين وقد بينها لهم آنفا وقال في سورة الأعراف ( 7 : 100 أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ) الآية ، وقد قص علينا فيها ما حذر به قوم موسى عندما وعدهم على لسانه بإرث الأرض التي وعد بها آباءهم في إثر ما شكوا اليه من إيذاء قوم فرعون لهم قبل مجيئه وبعده وذلك قوله تعالى حكاية عنه ( 129 قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ) وليراجع القارئ تفسير آية الأعراف في الجزء التاسع ، وتفسير قوله تعالى في استخلاف الأمم العام من آخر سورة الأنعام ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ) الآية ( ص 249 ج 8 ) وقد صدق اللّه وعده ووعيده للمسلمين كغيرهم بما تبين به إعجاز كتابه وصدق رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وكونه ربى أمته بما علمه ربه من هداية الدين وطبائع العمران وسنن الاجتماع التي لم يكن يعلمها هو ولا قومه الأميون ، بل لم تصر علما مدونا إلا من بعد نزول القرآن بعدة قرون ، لغفلة علماء المسلمين عما فيه من أصولها وقواعدها الصريحة كهذه الآيات . وقد كان أول من دونها المؤرخ الفقيه عبد الرحمن بن خلدون في مقدمة تاريخه مؤملا أن يعنى بها من بعده من العلماء فيأتوا بتوسيع ما بدأ به من مباحثها ، ولكن العلم والحكم في دولة الاسلام ، كان داخلا في طور الانحطاط والاضمحلال ، ثم ارتقى الإفرنج فيهما فترجموا تلك المقدمة بلغاتهم العلمية كلها وأخذوا منها عدة علوم في سنن العمران ، ونحن نأخذها اليوم عنهم غافلين عن هداية القرآن ، لان علماء السوء المقلدين حجبونا عن هدايته بل حرموها على المسلمين استغناء عنه بكتب مذاهبهم ، فأخذهم اللّه بذنوبهم ، ولن يكشف عنهم انتقامه حتى يعودوا إلى هدايته التي استخلف بها سلفهم في الأرض ، ولئن عادوا إليها بإقامة سنن القرآن ، ليتمن لهم وعده بخلافة الأرض إلى آخر الزمان . فبقدر إقامة هذه السنن يكون الملك والسلطان . فمن ذا الذي يقيمها ؟