الشيخ محمد رشيد رضا
308
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المستقيم الذي ينتهى بهم إلى دار الجزاء التي قال في بيان حالهم فيها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ أي تجرى من تحت مقاعدهم من غرفات تلك الجنات ومن تحت أشجارها ، وتقدم لفظ « جَنَّاتِ النَّعِيمِ » في سورة المائدة ( 5 : 68 ) ولفظ ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ ) في سورة الأعراف ( 7 : 42 ) وأما ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) * يعنى الجنة فقد تقدم مكررا في سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والتوبة ، والآية صريحة في معنى الآيات الكثيرة الناطقة بأن دخول الجنة بالإيمان والعمل الصالح معا ، لأن الإيمان الصحيح بدون الإسلام وهو العمل لا يوجد إلا في حال من يموت عقب إيمانه قبل أن يتمكن من العمل ، ودخول مثل هذا الجنة لا يعارض هذه النصوص العامة للأحوال العادية الغالبة . * * * دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ ، وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ في هذه الآية بيان لكلمات ثلاث تمثل حياة أهل الجنة الروحانية في عامة أحوالهم من مبادئ دعاء ربهم وتنزيهه ، وما يدعونه أي يطلبونه من فضله وكرامتهم ومن تحيته تعالى وتحية ملائكته لهم ، ومن تحيتهم فيما بينهم عند تزاورهم أو تلاقيهم ، ومن حمدهم له في خواتيم أقوالهم وأفعالهم وهي خير الكلم وأخصره وأعذبه . الدعوى في اللغة الدعاء بمعانيه والدعاوة في الشئ والادعاء للشئ ، فالدعاء للناس هو النداء والطلب المعتاد بينهم في دائرة الأسباب المسخرة لهم ، والدعاء التعبدي للّه نداؤه وسؤاله والرغبة فيما عنده الصادر عن الشعور بالحاجة إليه والضراعة له فيما لا يقدر عليه أحد من خلقه ، ولا سيما دفع الضر وجلب النفع مما يعجز عنه العبد من طريق الأسباب ، للإيمان بأنه سبحانه هو المسخر لها والهادي إليها والقادر على تصريفها ، وعلى المن بها من غير طريقها ، والدعوى للشئ تشمل في اللغة تمنيه وقوله وطلبه من مالكه ، وادعاء ملكيته ، وهذه المعاني كلها للفظ الدعوى تصح إرادتها من أهل الجنة إلا الأخير منها وقول بعض المفسرين وغيرهم إن من معاني الدعاء العبادة لا يصح على إطلاقه في العبادة الشرعية التكليفية فإن الصيام لا يسمى دعاء لغة ولا شرعا ، وإنما الدعاء هو مخ العبادة الفطرية ، وأعظم أركان التكليفية