الشيخ محمد رشيد رضا

297

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

أحدا ، لا لأجل الشفاعة ولا لأجل مطلب آخر من مطالبكم ، فالشفعاء لا يملكون لكم من دونه نفعا ولا ضرا ، وانما يملك ذلك ربكم وحده ، وقد هداكم إلى أسباب الضر والنفع الكسبية بعقولكم ومشاعركم وسخرها لكم ، وهداكم إلى أسباب النفع والضر الغيبية بوحيه وأقدركم عليها ، وكل ما يطلب من المنافع والمضار فإنما يطلب من أسبابه التي سخرها تعالى وبينها لكم . وما عجز عنه العبد أو جهله من ذلك فالواجب عليه أن يدعو اللّه تعالى وحده فيه ، وهذا هو الركن الأول للدين الإلهي . أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ؟ أي أتجهلون هذا الحق المبين فلا تتذكرون ان الذي خلق السماوات والأرض وحده ، واستوى على عرش الملك يدبر الامر وحده ، ولا يمكن أن يشفع أحد عنده إلا باذنه ، هو ربكم الذي يجب أن تعبدوه والا تعبدوا غيره ؟ وهو مقتضى الفطرة ، وما انكاره الا ضرب من الغفلة علاجها التذكير هذا الاستفهام التعجيي من غفلة المشركين منكري الوحي عن هذه الحقيقة وهي انه لا يستحق العبادة من الخلق أحد إلا ربهم وخالقهم ومدبر أمورهم يوجه بالأولى إلى المؤمنين بالقرآن من القبوريين وعباد الصالحين كيف لا يتذكرون هذه الآيات وأمثالها كلما شعروا بالحاجة إلى ما عجزوا عنه بكسبهم من دفع ضر أو جلب نفع ؟ إذ نراهم يوجهون وجوههم إلى قبور المشهورين من الصالحين في بلادهم ، ويشدون الرحال إلى ما بعد منها عنهم ، ويتقربون إليها بالنذور ويطوفون بها كما يطوف الحجاج ببيت اللّه عز وجل ، داعين متضرعين مستغيثين خاشعين ، وهذا مخ العبادة وروحها وأجلى مظاهرها ، ولا ترى مثله من أحد ممن يصلي منهم في صلاة الجماعة ولا صلاته منفردا في بيته ، على أن أكثرهم لا يصلون ولا يعتقدون أن الصلاة تنفعهم كهذه القبور ، ذلك بان أكثرهم يجهلون هذه الآيات وأمثالها من القرآن وإنما يتلقون عقائد دينهم بالعمل والقول من آبائهم وأمهاتهم ومعاشريهم ، وهم قبوريون لا يعرفون ملجأ ولا ملتحدا عند الشدائد والشعور بالحاجة إلى السلطان الرباني الغيبي الا هذه القبور ، وأقلهم يتلقون بعض كتب العقائد الكلامية الجافة ممن ألفوا عبادة القبور قبل أن يقرءوها ، وأكثرهم يتأولون لأنفسهم وللعوام تلك العبادة ويسمونها بغير اسمها كالتوسل والاستشفاع . وحجتهم عليها نفس حجة المشركين وأهل الكتاب ، لا فرق الا في بعض الالفاظ وأسماء الاشخاص