الشيخ محمد رشيد رضا
292
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يقول « فتاي وفتاتي وغلامي » وأمر بأن يطعموهم مما يأكلون ويلبسوهم مما يلبسون ، ويعينوهم على خدمتهم ان كلفوهم ما يغلبهم كما في حديث أبي ذر في الصحيحين وغيرهما وكان يوصي بالنساء وما ملكت الايمان حتى في مرض موته إلى أن التحق بالرفيق الاعلى صلّى اللّه عليه وسلّم وسأله ابن عمر كم اعفو عن الخادم ؟ قال « اعف عنه كل يوم سبعين مرة » وهذا مبالغة أي كلما أذنب ولهذا كان المسلمون في الصدر الأول يبالغون في تكريم الرقيق ومعاملتهم بالحلم حتى صاروا يقصرون في الخدمة . ولعمر الحق ان العبد المملوك في حكم الاسلام الأول كان أعز نفسا وأطيب عيشا من جميع الأحرار الذين ابتلوا في هذه العصور بحكم دول الإفرنج من غيرهم أو نفوذهم ، وان حكومة الولايات المتحدة لتعامل الجنس الأحمر من سكان البلاد الأصليين الذين تمن عليهم بالحرية بغير الاحكام التي تعامل بها الجنس الأبيض حتى أن من اعتدى منهم على امرأة بيضاء يقتل شر قتلة - ان لم تقتله الحكومة قتله الشعب - بخلاف العكس ، ولا يتسع هذا المقام لتفصيل ذلك والشواهد عليه خلاصة البحث راجع ما تقدم من الكلام على الوحي والنبوة وآيات الأنبياء عندنا وعند النصارى ومن الكلام في تفنيد شبهة الوحي النفسي ، والكلام في اعجاز القرآن اللغوي والعلمي . وما أحدثه من الانقلاب البشري من كل وجه ، ثم أضف إليها هذه العشرة الأنواع من مقاصد القرآن ، في إصلاح البشر وتكميل نوع الانسان ، من جميع نواحي التشريع الروحي والأدبي والاجتماعي والمالي والسياسي ، وهي التي اشتدت حاجة الشعوب والدول في هذا العصر إليها موضحة بأصول وقواعد هي أصح وأكمل وأكفل للمصالح العامة ، ودفع المفاسد القديمة والطارثة ، من كل ما سبقها من تعاليم الأنبياء ، وفلسفة الحكماء ، وقوانين الملوك والحكام ، على اختلاف الاعصار ، مع العلم القطعي من تاريخ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم انه كان أميا يؤثر بطبعه عيشة العزلة فلم يتفق له الاطلاع على كتب الأنبياء ولا غيرها من الكتب والقوانين ،