الشيخ محمد رشيد رضا
288
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المقصد العاشر من فقه القرآن تحرير الرقبة ان استرقاق الأقوياء للضعفاء قديم في شعوب البشر ، بل هو معهود في الحشرات التي تعيش عيشة الاجتماع والتعاون أيضا كالنمل ، فإذا حاربت قرية منه أخرى فظفرت بها وانتصرت عليها فإنها تأسر ما سلم من القتال وتستعبده في خدمة الظافر من البناء وجمع المؤونة وخزنها في مخازنها وغير ذلك كانت شعوب الحضارة القديمة من المصريين والبابليين والفرس والهنود واليونان والروم والعرب وغيرها تتخذ الرقيق وتستخدمه في أشق الاعمال ، وتعامله بمنتهى القسوة والظلم ، وقد أقرته الديانتان اليهودية والنصرانية ، وظل الرقيق مشروعا عند الإفرنج إلى أن حررت الولايات الاميريكية المتحدة رقيقها في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ، وتلتها الكلترة باتخاذ الوسائل لمنعه من العالم كله في أواخر القرن التاسع عشر ، ولم يكن عمل كل منهما خالصا لمصلحة البشر وجنوحا للمساواة بينهم . فان الأولى لا تزال تفضل الجنس الأبيض الأوربي المتغلب على الجنس الأحمر الوطني الأصلي بما يقرب من الاستبعاد السياسي المباح عند جميع الإفرنج للشعوب ، كما أن الكثرة تحتقر الهنود وتستذلهم ، ولكن النهضة الهندية في هذا العهد قد خفضت من غلوائهم ، وطأمنت من إشناق كبريائهم . فلما ظهر الاسلام ، وأشرق نوره الماحي لكل ظلام ، كان مما أصلحه من فساد الأمم إبطال ظلم الرقيق وإرهاقه ، ووضع الاحكام لابطال الرق بالتدريج السريع ، إذ كان ابطاله دفعة واحدة متعذرا في نظام الاجتماع البشري من الناحيتين : ناحية مصالح السادة المسترقين ، وناحية معيشة الأرقاء المستعبدين فان الولايات المتحدة لما حررت رفيقها كان بعضهم يصرب في الأرض يلتمس وسيلة للرزق فلا يجدها فيحور إلى سادته يرجو منهم العود إلى خدمتهم كما كان وكذلك جرى في السودان المصري ، فقد جرب الحكام من الانكليز أن يجدوا لهم رزقا بعمل يعملونه مستقلين فيه مكتفين به فلم يمكن ، فاضطروا إلى الاذن لهم بالرجوع إلى خدمة الرق السابقة ، بيد انها أن لا تسمح للمخدومين ببيعهم والاتجار بهم