الشيخ محمد رشيد رضا

266

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

القرآن في عصر كانت فيه جميع الأمم مرهقة بحكومات استبدادية استعبدتها في أمور دينها ودنياها ، وكان أول منفذ لها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فلم يكن يقطع بأمر من أمور السياسة والإدارة العامة للأمة الا باستشارة أهل الرأي والمكانة في الأمة ، ليكون قدوة لمن بعده وثم جرى على ذلك الخلفاء الراشدون فقال الخليفة الأول أبو بكر الصديق ( رضي اللّه عنه ) في أول خطبة خطبها على منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عقب مبايعته : أما بعد فقد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإذا استقمت فأعينوني ، وإذا زغت فقوموني . وقال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب ( رض ) من رأى منكم في عوجا فليقوّمه . فقال له اعرابي لو رأينا فيك عوجا لقومناه بسيوفنا ، فقال الحمد للّه الذي جعل في المسلمين من يقوم عوج عمر بسيفه . وكان يجمع أهل العلم والرأي من الصحابة ويستشيرهم في كل مسألة ليس فيها نص من كتاب اللّه ولا سنة أو قضاء من رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم وقال الثالث عثمان ( رض ) أمري لأمركم تبع . وكذلك كان عمل الخليفة الرابع علي المرتضى رضي اللّه عنه وكرم وجهه ولا أذكر له كلمة مختصرة مثل هذه الكلمات على المنبر . وإذا أوجب اللّه المشاورة على رسوله فغيره أولى ، ولا يصح أن يكون حكم الاسلام أدنى من حكم ملكة سبأ العربية فقد كانت مقيدة بالشورى ، ووجد ذلك في أمم أخرى ، وان جهل ذلك من جهله من الفقهاء ولكن ملوك المسلمين زاغوا بعد ذلك عن هذا الصراط المستقيم إلا قليلا منهم ، وشايعهم علماء الرسوم المنافقون ، وخطباء الفتنة الجاهلون ، حتى صار المسلمون يجهلون هذه القاعدة الأساسية لحكومة دينهم ، وكان من حسن حظ الإفرنج في حربهم الصليبية أن كان سلطان المسلمين الذي نصره اللّه عليهم يقتفي في حكمه اثر لخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز وهو صلاح الدين الأيوبي ( رح ) الذي قال لأحد رجاله المتميزين عنده وقد استعداه على رجل غشه « ما عسى ان أصنع لك وللمسلمين قاض يحكم بينهم والحق الشرعي مبسوط للخاصة والعامة وأوامره ونواهيه ممتثلة ، وإنما انا عبد الشرع وشحنته ، فالحق يقضي لك أو عليك » ومعنى عبارة السلطان انه ليس إلا