الشيخ محمد رشيد رضا
258
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( الأصل الثامن ) وحدة اللغة ولا يمكن أن يتم الاتحاد والإخاء بين الناس وصيرورة الشعوب الكثيرة أمة واحدة إلا وحدة اللغة . وما زال الحكماء الباحثون في مصالح البشر العامة يتمنون لو يكون لهم لغة واحدة مشتركة يتعاونون بها على التعارف والتآلف ومناهج التعليم والآداب والاشتراك في العلوم والفنون والمعاملات الدنيوية ، وهذه الأمنية قد حققها الاسلام بجعل لغة الدين والتشريع والحكم لغة لجميع المؤمنين به والخاضعين لشريعته ، إذ يكون المؤمنون مسوقين باعتقادهم ووجدانهم إلى معرفة لغة كتاب اللّه وسنة رسوله لفهمهما والتعبد بهما والاتحاد باخوتهم فيهما ، وهما مناط سيادتهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة ، ولذلك كرر في القرآن بيان كونه كتابا عربيا وحكما عربيا وكرر الامر بتدبره والتفقه فيه والاتعاظ والتأدب به ، وأما غير المؤمنين فيتعلمون لغة الشرع الذي يخضعون لحكمه ، والحكومة التي يتبعونها لمصالحهم الدنيوية كما هي عادة البشر في ذلك ، وكذلك كان الامر في الفتوحات الاسلامية العربية كلها وقد بينت من قبل وجوب تعلم اللغة العربية في دين الاسلام وكونه مجمعا عليه بين المسلمين كما قرره الإمام الشافعي ( رض ) في رسالته وقد جري عليه العمل في عهد الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وخلفائه الراشدين ثم خلفاء الأمويين والعباسيين إلى أن كثر الأعاجم وقل العلم وغلب الجهل فصاروا يكتفون من لغة لدين بما فرضه في العبادات من القرآن والأذكار ( فراجع ذلك في ص 310 من جزء التفسير التاسع ) ولقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ينكر على المسلمين كل نوع من أنواع التفرق الذي ينافي وحدتهم وجعلهم أمة واحدة كالجسد الواحد كما شبههم بقوله « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم ونعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى له عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى » رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث النعمان بن بشير ( رض ) وكان يخص بمقته وإنكاره التفرق في الجنس النسبي أو اللغة ، أما الأول فمشهور وأما الثاني فيجمعه مع الأول الشاهد الآتي روى الحافظ ابن عساكر بسنده إلى مالك عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال جاء قيس بن مطاطية إلى حلقة فيها سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال