الشيخ محمد رشيد رضا
252
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وإذ كان الاسلام دين العقل والبرهان ، وحرية الضمير والوجدان ، منع ما كان عليه النصارى وغيرهم من الاكراه في الدين والاجبار عليه والفتنة والاضطهاد لمخالفيهم فيه ، والآيات في ذلك كثيرة بيناها في محلها ، ومن دلائلها ذم القرآن للتقليد وتضليل أهله ( 6 ) منع التقليد والجمود على اتباع الآباء والجدود كل ما نزل من الآيات في مدح العلم وفضله واستقلال العقل والفكر وحرية الوجدان يدل على ذم التقليد ، وقد ورد في ذمه والنعي على أهله آيات كثيرة كقوله ( 2 : 170 وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) وقوله تعالى ( 5 : 104 وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا ، أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) ذمهم من ناحيتين ( إحداهما ) الجمود على ما كان عليه آباؤهم والاكتفاء به عن الترقي في العلم والعمل ، وليس هذا من شأن الانسان الحي العاقل فان الحياة تقتضي النمو والتوليد ، والعقل يطلب المزيد والتجديد ( والثانية ) انهم باتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر في التمييز بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والحسن والقبيح ، بطريق العقل والعلم ، وطريق الاهتداء في العمل ويؤيده قوله ( 7 : 28 وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) وقال تعالى في عبادة العرب للملائكة ( 43 : 20 وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ، ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ 21 أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ 22 بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ 23 وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ) وقد وردت الشواهد على هذا في قصة إبراهيم مع قومه في سور الأنبياء والشعراء والصافات . فالقرآن قد جاء يهدي جميع متبعي الملل والأديان السابقة إلى استعمال عقولهم مع ضمائرهم للوصول إلى العلم والهدى في الدين ، وألا يكتفوا بما كان عليه آباؤهم وأجدادهم من ذلك ، فان هذا جناية على الفطرة البشرية والعقل والفكر