الشيخ محمد رشيد رضا
249
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما ) ومعلوم من الدين بالضرورة ان الشرك باللّه لا يكون بعلم ولا ببرهان ، لأنه ضروري البطلان وترى تفصيل هذا فيما بعده من تعظيم أمر الحجة والدليل وما يليه من ذم التقليد وأما الحكمة فقد قال تعالى في تعظيم شأنها المطلق ( 2 : 269 يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ) وقال تعالى في بيان مراده من بعثة محمد خاتم النبيين ( 62 : 2 هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) وفي معناها آيتان في سورتي البقرة وآل عمران . وقال لرسوله ممتنا عليه ( 4 : 112 وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) وقال له ( 16 : 125 ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ) وقال له في خاتمة الوصايا بأمهات الفضائل والنهي عن كبائر الرذائل ، مع بيان عللها وما لها من العواقب ( 17 : 39 ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) وقال لنسائه رضي اللّه عنهن ( 23 : 34 وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ) وقد آتى اللّه جميع أنبيائه ورسله الحكمة ، ولكن أضاعها أقوامهم من بعدهم بالتقاليد والرياسة الدينية ، ونسخها بولس من النصرانية بنص صريح . قال اللّه تعالى في اليهود ( 4 : 54 أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ) فالكتاب أعلى ما يؤتيه تعالى لعباده من نعمه ويليه الحكمة ويليها الملك . وقال في نبيه داود عليه السّلام ( 2 : 251 وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ ) وقال لنبيه عيسى عليه السّلام ( 6 : 113 وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ) وقال ( 31 : 12 وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ) وذكر من حكمته وصاياه لابنه بالفضائل ومنافعها ونهيه عن الرذائل معللة بمضارها . فالحكمة أخص من العلم ، هي العلم بالشيء على حقيقته وبما فيه من الفائدة والمنفعة الباعثة على العمل ، فهي بمعنى الفلسفة العملية كعلم النفس والاخلاق وأسرار الخلق ، ويدل عليه قوله تعالى بعد وصايا سورة الإسراء ( ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ) ولولا اقتران تلك الوصايا بحكمها وعللها ومنافعها لما سميت حكمة . ألا ترى انه سمى