الشيخ محمد رشيد رضا
243
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والاعمال المقربة لآيات الرسل وما دعوا اليه من الايمان بالغيب من العقول قد صارت هذه العلوم نفسها سببا لانكارهم ما كان سببا لها وموصلا إليها ( وهو الآيات والايمان بالغيب ) - لا إنكار امكانه بل إنكار ثبوته بالفعل ، فهم ينكرون أن يكون الخالق قد فعل ما صاروا يفعلون باقداره وتوفيقه نظيرا له في الغرابة ، وكان ينبغي لهم أن يجعلوه دليلا عليه مبينا لحقيته كما قال تعالى ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) ولكنهم كلما أراهم آية من آياته الروحية في أنفسهم أو من آياته الكونية في الآفاق التمسوا لها سنة بقياس ما لم يعرفوا على ما عرفوا ، فأخرجوها عن كونها بمحض قدرته وإبداعه ، وظلوا على لبسهم ، كالذين طلبوا ان ينزل عليهم ملكا رسولا فقال فيهم ( 6 : 9 وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ) أي لما كانوا لا يمكن لهم أن يدركوا الملك ويتلقوا عنه إلا إذا كان بصورة رجل مثلهم وهو ما استنكروه من كون الرسل بشرا مثلهم ، ولو جعل اللّه الملك رجلا مثلهم لا لتبس عليهم أمره بما يلبسونه على أنفسهم من استنكار كون الرسول بشرا مثلهم وهكذا يفعلون الآن : ظهرت لهم في عصرنا عدة آيات روحية من المكاشفات والتأثير في المادة فشبهوها بما عرفوا من نقل الكلام بالسيال الكهربائي وغير ذلك ، حتى لا يعترفوا بآية إبداعية من الخالق لا تخضع لعلمهم الخطر على البشر من ارتقاء العلم بدون الدين ان حرمان هؤلاء العلماء من الايمان بآية للّه تعالى من هذا النوع قد جعل حظ البشر من هذا الارتقاء العجيب في العلم انهم ازدادوا به شقاء حتى صارت حضارتهم مهددة بالتدمير العلمي الصناعي في كل يوم ، وجميع علمائهم المصلحين وساستهم الدهاقين في حيرة من تلافي هذا الخطر ولن يتلافى إلا بالجمع بين العلم والدين ، وهذا ما جاءهم به محمد خاتم النبيين ، ولأجله أثبت الآيات بكتابه وفي كتابه المبين ، إذ لا يمكن ان يخضع البشر إلا لما هو فوق استطاعتهم ، بقيام الدليل على أنه من السلطان الغيي الإلهي الذي فوق استعدادهم ، وسنبين هذا الجمع فيما يأتي من هذا البحث المثبت لاعجاز القرآن